السبت، 10 أغسطس 2013


4

معمودية يسوع

بالرغم من أن يسوع كان قد وصل إلى سن الثلاثين، إلا أن القصص القديمة عن نسبه، لا تزال تُروى  بين الحين والآخر. فالجميع يعلم أن مريم وُجِدت حبلى قبل زواجها من يوسف، وأن يوسف هو الرجل الطيب الذي ستَرَ عِرضَهَا، وصدق روايتها عن الحلم الذي رأت فيه ملاكاً يُبَشِّرُها بأنها سوف تحبل بعمل إلهيّ مُعجِزي، وأن وليدها لن يكون ابناً لبشر بل سيُدعى "ابن الله"، وكيف أن بعد هذا الحلم الغريب مباشرة توقفت الدورة الشهرية بالفعل، وبدأت تشعر بالحمل. ومن القصص المنتشرة أيضاً أن يوسف هو الآخر رأى رؤيا تطمئنه لرواية زوجته. لم يكن صعباً على يوسف أن يُصدق مريم التي كان مشهوداً لها بالتقوى والصلاح في قريتها الناصرة بالجليل. إلا أن هناك قصص أخرى انتشرت تتهمها بالزنى مع جندي رومانيّ.
 شّبَّ يسوع وسط هذه الشائعات وعندما كان طفلاً، كان كثيراً ما يعود لأمه من كُتّاب الهيكل باكياً بعد أن اتهمه أحد الأطفال أنه ابن زنا. وفي كل مرة كان يحدث أمراً كهذا، كانت مريم تُصّلِّي وكان إيمانها يساعدها على الاستمرار. ويسوع نفسه كان طفلاً غريباً فقد كان يحلُم أحلاماً غريبة في يرى فيها نوراً شديداً وصوتاً يقول له: "انت ابني الوحيد" وكان يقص هذه الرؤى على أمه التي كانت تحفظها في قلبها. نفس هذه الصوت سَمِعَهُ يسوع عندما خرج من الماء عندما ذهب ليعتمد من يوحنا المعمدان في بيت عَنْيا على نهر الأردن. ولكن هذه المرة سمع الصوت وسط النهار وهو في كامل اليقظة مما جعله يشعر بحيرة ممزوجة بفرح غريب. بعد هذه الحادثة بالتحديد، شعر يسوع أنّ الأوان قد آن لكي يترك عمله في النجارة ويتفرغ للخدمة الروحية، لكنه قرر أن يقضي في صحراء الأردن فترة صوم وصلاة طويلة قبل بدء الخدمة.
بعد المعمودية وبعدما عاد يسوع من صحراء الأردن إلى بيت عنيا بدء يفكر في تكوين فريق من التلاميذ والعودة للجليل. وذات مرة كان يوحنا المعمدان واقفاً مع أول تلاميذه أندراوس ومعهما بنيامين القُمرانيّ الذي بعد أن اعتمد من يوحنا، كان يجيء بين الوقت والآخر ليقضي معه ومع تلاميذه بضعة أيام يعود بعدها إلى جماعته في المستعمرة.  قال يوحنا بعد أن نظر إلى يسوع ثم أطرق معلقاً عينيه على الأفق وبدا مستغرقاً في تأمل يفصله عن العالم كله....
-        هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم
-         ما الذي يجعلك تقول هذا أيها المُعَلِّم، ومن تقصد؟ هل تقصد يسوع؟ أنت لم تره إلا من مدة قصيرة.
-         لا أعلم.. ولكنني عندما كنت أعمده رأيت شيئاً غريباً. جاءت حمامة بيضاء ووقفت على كتفه بعد أن خرج من الماء وشعرت كما لو كانت هذه الحمامة رمزاً لروح الله، ثم، باعتباري من العائلة، فأنا أعرف قصة ميلاده.
-         قصة ميلاده؟
-         نعم. لم يولد يسوع بطريقة عادية مثلنا. لقد ولد مباشرة من الله
-         مباشرة من الله. ما معنى هذا؟ أنا أعلم أن أباه نجّار من الناصرة
-         هذا زوج أمه وهو قد ربّاه كأبيه تماماً، لكنه مولود ولادة روحية من الله مباشرة. تستطيع أن تقول أنه "ابن الله"
-         ابن الله؟ أستغفر الله العظيم. وهل اللهُ إنسان مثلنا فيلِدَ ويُولَد؟
-         يَلِدَ ويولَد؟ بالطبع لا. لك معي كل هذا الزمان يا أندراوس ومازلت تفكر بهذه الطريقة الجسدية التي يفكر بها الكهنة في أورشليم؟
بالرغم من عدم قبول أندراوس لما يقوله يوحنا إلا أنه شعر بفضولٍ شديد أن يتعرف على يسوع فمشى هو وبنيامين وراءه، وعندما لاحظهما يسوع التفت وقال: ماذا تطلبان؟
-         أين تمكث يا مُعَلِّم؟
-         تعاليا وانظرا
فذهبا معه إلى الخيمة التي كان يسكن فيها وكانت الساعة الرابعة بعد الظهر. وظلَّ الثلاثة يسوع وأندراوس وبنيامين معاً وسهروا لوقت متأخر من الليل حيث كان يسوع يتحدث إليهما ويعلِّمهُما عن مملكة الله ويجيب كل تساؤلاتهما. حتى أن أندراوس قال في نفسه. أن لم يكن يسوع هذا هو المسيا فمن عساه يكون المسيا؟ و في الصباح هرع أندراوس إلى الخان حيث كان يبيت مع سمعان أخاه و بمجرد أن رأه صرخ سمعان في وجهه: أين كنت أيها الفتى الأخرق تتركني وتبات في مكان آخر دون أن تخبرني. لقد كدت أموت بالأمس من القلق وبحثت عنك في كل مكان، وهم بأن يمسك بتلابيبه ويضربه.
-        مهلاً يا سمعان ..اسمع.. عندما أقول لك السبب سوف تعذرني. أترك رقبتي سوف أختنق.
-         ماذا عندك؟
-         وجدت شخصاً غريباً جداً اسمه يسوع قضينا معه أغلب النهار ومكثنا معه لوقت متأخر من ليل البارحة. صدقني يا سمعان إذا استمعت إلى هذا الإنسان لن تستطيع أن تمنع نفسك من أن تظن أنه..
-         أنّهُ ماذا؟
-         أنه المسيّا
-        لم يكفك ما فعلت وجئت لي سكراناً أيضاً، ومن فرط فسقك، تتكلم مثل هذا الكلام أيُّها الفاجر، وهم بأن يُمسِكَه مرة أخرى.
-        تعال معي وانظر.
-        إلى أين؟
-         سوف آخذك إلى المسيا
-         مرة أخرى يقول لي المسيا!
-         في الطريق، حكى أندراوس لسمعان كل ما كان مع يسوع ويوحنا المعمدان وعن المعمودية والحمامة وقصة "ابن الله" وعندما وصلا إلى خيمة يسوع رآهما يسوع من بعيد فصاح:  أنت سمعان بن يونا
-         ربّاه. كيف عرف اسمي. أقلت له عني؟
-         أبداً لم أقل له شيئاً
-         أنت سمعان بن يونا، وسوف أُسَمِّيكَ "صخر"، نحن جيران من الجليل. أنا يسوع من الناصرة، أندراوس قال لي أنكما من كفر ناحوم. تعاليا امكثا معي هذه الليلة لنواصل حديثنا نحن الثلاثة عن مملكة الله. تعال معنا أنت أيضاً يا بنيامين.
لم يكن حديث يسوع بالأمس قد راق لبنيامن فوجد نفسه يعتذر: للأسف أنا مضطر للعودة إلى وادي قُمران. رحلتي طويلة. الرب معكم
في اليوم التالي بدأ يسوع يعُدُّ للعودة من بيت عنيا إلى بلده ناصرة الجليل، لكنه كان لا يزال يشعر أن هناك تلاميذ هنا يجب أن يدعوهم ليكونوا معه فمنذ عاد من فترة الصلاة والصوم بعد المعمودية، وقلبه يبحث عن هؤلاء. وبينما كان يتمشى على نهر الأردن صادف شاباً يمشي متأملاً وكأنه يصلّي. فاقترب يسوع منه.
-        صباح الخير
-          صباح النور. لا يبدو عليك أنك من هنا. أهلاً بك في محافظة الأردن
-          نعم. أنا من محافظة الجليل
-         واضح. ملابسك ولغتك. شرفت بلادنا
-         حقا؟ هل من الممكن أن يكون شخصاً مثلي من ناصرة الجليل مصدر شرف؟ قال يسوع مبتسماً
-         ليس الإنسان بالمكان الذي يسكنه، المهم ما يسكن قلب الإنسان. 
-         نعم يا فِيلُبُّس يا صديقي
لمعت عينا الشاب واتّسعت
-        كيف عرفت اسمي؟
-        ليس الإنسان بما يعرفه، المهم أنَّهُ معروفٌ من الله.   قال يسوع هذا وهو يبتسم ابتسامة ماكرة مشيراً إلى عبارة فيلبس السابقة.
-         واضح أنك لست شخصاً عادياً في الجليل
-         أنا مُعَلِّم
-         مُعَلِّم؟ في الجليل؟ هل يوجد مُعَلِّمون في الجليل؟ وهل؟ أعذرني. هل تؤمن بالتوراة؟
فتح يسوع عيناه واسعاً وهو يبتسم وقال: نعم كيف أكون معلماً ولا أؤمن بالتوارة؟
-         اعذرني. ولكن ما أعرفه أنكم في الجليل مُتحَرِّرونَ قليلاً وتؤمنون ببعض العقائد الوثنية بسبب سُكنى الأمم بينكم.
-        ليس الإنسان بمن يسكن معه، بل بما يسكن قلبه.
ضحك الشابين ضحكاً عالياً وبدا وكأنهما أصبحا أصدقاء منذ ذلك الوقت..وبعد أن خفتت الضحكات تدريجياً نظر يسوع إلى فِيلُبُّس في عينيه وقال: ألم تقرأ المكتوب في نبوة إشعياء أنه إن كان الزمان الأول قد أهان أرض زبولون ونفتالي، أرض الجليل، فإن الزمان الأخير سوف يكرِمَها.  
-        كيف يُكرِمُها يا مُعلم؟
-        ستعرف في حينه يا فيلبس، اتبعني
صَمَتَ فيلبس وكأن السماء أطبقت على صدره. حاول فيلبس أن يتكلم، فلم يستطع ومشى الاثنان معاً دون كلمة، لكن كان قلباهُما مُمْتَلِئان بالكلام الذي لا يقال. بعد عدّة دقائق حاول فيلبس أن يخرج بعض الكلمات من صدره فخرجت كلمات قليلة متعثرة: هل تستطيع أن تنتظرني دقائق. سأذهب في مشوار قصير وأعود إليك. أرجوك انتظرني.
حاول فيلبس أن يمشي، ثم تدريجياً بدأ يُسَرِّع من خُطاه. ثم في النهاية استسلم لرغبته في الجري، فأطلق ساقيه للريح كما كان يفعل وهو طفل. وبينا كان يجري كان يعود تدريجياً للطفولة. في دقائق أصبح فيلبس صاحب الثمانية والعشرين عاماً، طفلاً صغيراً وجد شيئاً مثيراً، فهرع إلى نثنائيل أخيه ليخبره. وعندما وصل إلى نثنائيل وجده جالساً تحت شجرة تين يقرأ ويدرس التوراة والكتب.
-        لقد وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء، يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة.
-         ما هذا الذي تقوله؟ أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟
-         تعال وانظر
مشى الأَخَوَان، وطوال الطريق كان فيلُبُّس يحث نثنائيل على الاسراع بينما نثنائيل يمشي محاولاً الحفاظ على وقار الأخ الأكبر، بينما نبضات قلبه تتسارع فهو يعرف، كيف أن فيلبس لا يمكن أن يقول هذا الكلام إلا كان كان واثقاً مما يقول فهو مثله يبحث عن الحقيقة، ويدرس التوراة والأنبياء بكل تدقيق.
وعندما  أقبلا إلى يسوع قال يسوع: "هوذا اسرائيلي حق لا غش فيه"
-         من أين تعرفني؟
-         قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة تقرأ في نبوة إشعياء، رأيتك
-         يا معلم. أنت ابن الله، انت ملك إسرائيل
-        هل آمنت لأني قلت لك: إني رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا
منذ أن عاد من بيت عنيا حيث كان تعمد على يد المعمدان، ظل يسوع هو يقضي أوقاتاً  طويلة في الصلاة لله وكان كل صباح يستيقظ والظلام باقٍ ويذهب إلى بحر الجليل ويصلي هناك. لقد أصبح يسوع يتواصل مع الله بوضوح كابن مع أبيه. و تلك الوَمَضات التي كانت تأتيه في الطفولة، تَحَوَّلَت منذ المعمودية إلى حالة مُستمِرَّة، لذلك تعود أن يتكلم عن الله كأبيه ببساطة من يتكلم عن أبٍ من لحم ودم.  وقد كان هذا كان يسبب له انتقادات كثيرة. فاليهود يتكلمون عن أبوة الله ولكن ليس بهذه الصورة الحميمة، يؤمنون أنهم يتكلمون مع الله في الصلاة، ولكن ليس بهذه البساطة التي كان يتكلم بها يسوع ويدعوه "آبا" ـكما يتكلم الأطفال عن آباءهم  باللغة الآرامية الدارجة، التي لم يكن اليهود يستخدمونها أبداً للصلاة أو الكلام عن الله. الله بالنسبة لليهود متعال جداً لا يمكن التباسط معه أو الكلام ببساطة عن محبته وأبوته،  فهو ليس كمثله شيء وحرامٌ تشبيهه بالأب.

وذات يوم كان يتمشى على بحر الجليل فأبصر عن بُعد بعض الصيادين الذين كانوا عائدين من رحلة صيدهم الليلية في عمق البحر. وضع يسوع حافة  يده اليمنى فوق حاجبيه وهو يحاول أن يرى في مواجهة الشمس التي لم تزل منخفضة تواجه من ينظر إلى الأفق.  دَقَّقَ يسوع النظر لكي يتحقق من هُوِيَّتهِما فأدرك أنهما سمعان وأندراوس. لم يكن يسوع  قد رآهما منذ رحلة بيت عنيا، ولكنه لم يكن يكفَّ عن الصلاة والدعاء من أجلهما ومن أجل فيلبس ونثنائيل أيضاً، فمنذ لقاءهم وهو يدرك أن لله خطة عظيمة في حياتهم لكنه كان يعلم أنهم لم يكونوا بعد مستعدين لاستقبال هذه الأمور وفهمها
صاح يسوع:  يا رفاق.. أنا يسوع كيف حالكم؟
-         المعلم؟
هرع سمعان وأندراوس يُجَدِّفان بكل قوتهما حتى وصلا إلى الشاطئ حيث كان يقف يسوع ثم نزلا واحتضن الثلاثة بعضهم البعض.
-        لقد افتقدتكما يا رفاق منذ وقت بيت عنيا، كيف حالك يا .. "بطرس"
أجاب سمعان وقد بدأ كلامه باسماً، بسبب تذكير يسوع له باسم "بطرس"  ثم تحول كلامه تدريجيا إلى الجِد.
-    ونحن أيضاً أيها المعلم، لم نتوقف عن التفكير فيك وفيما قلته عن مملكة الله.  كنا دائماً نظن أن مملكة الله هي إقامة شرع الله وإصلاح الدنيا بالدين وما يستلزمه ذلك من تغيير للحكومات والممالك، لم نسمع من قبل ما قلته عن أن مملكة الله هي مُلك الله على القلوب.

قال أندراوس: نعم يا سمعان هذا منطقي، فبدون حكم الله على القلوب لن يكون هناك تغيير. التغيير يبدأ دائماً من الداخل وليس من الخارج. لكن ما معنى أن يحكم الله القلب؟ كل من حولنا يفعلون ما يفعلون ويقولون أنهم يفعلون هذا لوجه الله، وأن الله يحبهم ويسكن في قلوبهم. أين الحقيقة؟
أجابه يسوع مُبتَسِماً:  من ثمارهم تعرفونهم يا أندراوس. الثمار هي ما يخرج من الشجرة دون أن تقصد. لا تستطيع شجرة التين أن تثمر شوكاً ولا تستطيع الأعشاب الشائكة أن تثمر تيناً مهما حاوَلَت. لا يجتنِ الفلاحون من الشوك عنباً ولا من الحسك تيناً.  تابِع الإنسان. تابع أقواله التي يقولها في لحظات الغضب حين يقع عنه قناعه، تابع الإنسان في حياته الشخصية وليس فقط في كلامه.، تابعه في علاقته بالمال والنساء. من يقول أن يحقق إرادة الله ولا يستطيع ضبط محبته للمال أو شهواته الجنسية فأغلب الظن كاذب أو مُضَلِّل و مُضَلَّل أيضاً. 
-    لكننا يا معلم نصارع مع رغباتنا الجنسية ونقاومها ونسقط فيها أحياناً، ونحن بأمانة أيضاً نحب الله ونريد أن نرى ممكلته تتحقق في قلوبنا وفي العالم من حولنا. هل ترانا كاذبون أو مُضلِّلون؟
-    بالطبع لا، أنت يا سمعان تصارع رغبتك الجنسية ولا تستسلم لها. تقع فيها أحياناً،  لكنك تقوم وتواصل. لكن من أقصدهم هم الذين يستسلمون لشهواتهم معطين لها شرعية باستخدام تشريعات دينية ينسبونها إلى الله، أو حركات سياسية كلها في النهاية تَصُبُّ في تحقيق شهواتهم التي لا تنتهي. احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة.
-         مثل هيرودس الذي أحل لنفسه الزواج  من زوجة أخيه فيلبس و هو حيّ  مستخدماً السلطة والدين؟
-    ليس هيرودس فقط ولكن الكثيرين في الماضي، والحاضر، و سيكونون في المستقبل.  لكن كما قال المعمدان، سوف يأتي وقت حين يوضع الفأس على أصل الشجر وكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً ستقطع وتلقى في النار.
-    وقال المعمدان أيضاً أنه يُعَمِّد بماء للتوبة لكن سيأتي بعده من سيعمد بالروح القدس ونار. وهذا الشخص هو أنت يا يسوع. لقد قال عنك أنك أنت حمل الله الذي سيرفع خطية العالم.
-         هيا يا أندراوس وأنت يا سمعان. دعونا نحتسي شيئاً ونواصل حديثنا فأنا قد اشتقت كثيراً للحديث معكما.
وصل يسوع وسمعان وأندراوس إلى قهوة صغيرة على ضفاف بحيرة الجليل، كان الصيادون يجلسون فيها للراحة واحتساء بعض المشروبات الساخنة التي يُعِدّونها من غلي أوراق نبات المريمية والنعناع وغيرها وبعضهم يقوم بغسيل الشباك وإصلاحها. و بعدما جلسا وطلبا بعض المشروبات، قال يسوع لهما:
-        هلما ورائي ننادى بمملكة الله
قال أندراوس
-        ننادي بمملكة الله؟  ماذا تقصد؟
-        أقصد أن تتركا صيد السمك وتتفرغا معي للدعوة.
-    أنا موافق. قال سمعان بطرس بحسم. أنا أفكر في هذا منذ أن تقابلنا في بيت عنيا وبصراحة منذ أن عمّدني يوحنا وأنا أشعر بشيء غريب. بالرغم من أنني أصطاد السمك مع أبي منذ الطفولة، إلا أنني منذ وقت المعمودية وأنا أشعر كلما خرجت للصيد أنني أضيع وقتي فيما هو ليس عملي الحقيقي. ما تقوله الآن يا يسوع هو كلمة الله التي كنت أنتظرها.
-         هي بالفعل كلمة الله يا بطرس
-         وأنا أيضاً معكما
بعد دقائق قليل اقترب منهما شابان يافعان فحياهما سمعان وأندراوس
-        أيها المعلم، هذا يوحنا ابن السيد زبدي صاحب أسطول الصيد الشهير في الجليل، وهذا أخوه يعقوب، وهم شركاؤنا.
-         أعرفهما. أهلا أيها الاخوة أنتما أيضاً ستتركان الصيد وتصبحان من تلاميذي.
انهدش بُطرس وأندراوس حين سمعا ما قاله يسوع بهذه الطريقة المباشرة، بل وازدادت دهشتهما عندما فوجئا بالصيادين الثريين المُتَعلِّمَين، يوحنا ويعقوب وهما يقبلان دعوته. وهكذا أصبح ليسوع ستة تلاميذ، الأخوان بطرس وأندراوس، وفيلبس ونثنائيل، وابنَيّ زَبَدي؛ يوحنا ويعقوب.











الخميس، 1 أغسطس 2013

حلقتان من "مملكة الله" معاً


2
جماعة قُمران

تحول لون الشمس إلى البرتقاليّ المائل للحُمرة، وصارت مثل قرصٍ كبيرٍ مرسوم بيدٍ ثابتةٍ لتلميذٍ تجاوز العاشرة وتعلمَ أن يلوِّن دون أن تخرج الألوان عن الحدّ. في هذه الساعة من الغروب، انصاعت أشعة الشمس الحارقة، وصارت مُرَوَّضة، لا تخرج عن حدود ذلك القرص البرتقالي الهائل الذي يعلو هامات جبال قُمران ويمكنُ للعين المجردة أن تنظر إليه طويلاً وتتأمل جماله الأخَّاذ. بدأت أضواء مصابيح زيتية مرتعشة ترصع الفضاء الذي بدأت تزحف عليه الظلمة مثل نقوش ذهبية متفرقة على ثوب سهرة داكن الزرقة. وبدأ سكونُ المكانٍ ترصعه أيضاً أصواتُ تراتيل خافتة، يَتَخَلَّلُها صوتُ الريح الذي يُصَفِّر في فتحات الكهوف المتناثرة حول الوادي. كان وادي قُمران يقع على بعد نحو ميلٍ إلى الغرب من الطرفِ الشماليّ الغربيّ للبحر الميت، وعلى بعدٍ يزيدُ قليلاً عن ثمانية أميال إلى الجنوب من أريحا. مكانٌ منعزلُ، بعيد جداً عن أورشليم العاصمة ،لذا فقد كان موقعاً مثالياً لتلك الجماعة التَقِيَّة التي اختارت لنفسها الهجرة عن المجتمع الأورشليمي الكافر، لكي تنتظر مجيء المسيا وتَحَقُّق مملكة الله.
..اللهم انصرنا نحن أبناء النور..على القوم الكافرين
...اللهم شتت جمع أبناء الظلمة
... ليأت ملكوتك على الأرض
... يا أيها الاسم الحقيقي
... اللهم انصر إسرائيل
... ولينهزم الكفر والشرك
.. اهدم أشباه الحقائق
.. والكهنوت الشرير
.. اللهم أنصر المعلم البار
.. الهادي المهدي المنتظر
.. وليأت المسيا
.. الذي تنتظره جميع الشعوب
.. ليسود السلام على الأرض
لقد كانت هذه الطائفة تتكون من جماعة من الكهنة المُنْشَقِّين عن النظام الكهنوتي الحالي و بعض من الشعب من غير طائفة الكهنة، يعيشون حياةً مشتركةً من التقوى والتديُّن الشديدين، في الكهوف المنتشرة حول وادي قُمران. وكان لديهم مبنى رئيسي يشغل مساحة إثنا عشر قدماً مربعاً و في الجانب الشمالي منه كان يقع المطبخ و حجرة الطعام التي يأكل فيها أفراد الجماعة معاً كل الوجبات وفق نظام دقيق. فيه يجلس كلُ واحدٍ بحسب رتبته، ويقوم المعلم الكبير بمباركة الخبز والخمر، ثم يتلون صلوات الشكر منتظرين يوم أن يجلسوا إلى مائدة المسيا الذي سوف يأتي لتبدأ مملكة الله.  وإلى الجنوب الغربي كانت توجد خمس حجرات تستخدم كأماكن للدراسة والصلاة. ومن بين هذه الحجرات الخمسة، كانت حجرة النُسَّاخ الذين كانوا يقضون أكثر من عشر ساعات يومياً منهمكين في نسخ التوارة وكتب الأنبياء على رقائق من جلد الماعز موصولة معاً، ويقومون  بلفِّها بعناية في لفائف من الكتان ثم وضعها في أواني فخارية أنيقة يصنعونها بأنفسهم في المستوطنة ذاتها.  وكان في الركن الشمالي الغربي من المبنى، برج حصين يتناوب شباب الجماعة على حراسته نهاراً وليلاً ليستطيعوا مراقبة الطريق والهروب قبل مجيء حملات الاعتقال التي كانت تقوم بها القوات الخاصة المدعومة بأفراد الأمن المركزي لتعتقل بعض من قادتهم وهكذا تبقي عليهم ضعفاء، وذلك لأن الحكومة المركزية في أورشليم تخشى قيامهم، بعد طول الانتظار، بتحقيق مملكة الله بأيديهم. وهذا ما كانت تتبناه جماعة منهم أكثر عسكرية وهي جماعة الغيورين التي تتعرض لقمع الدولة أكثر منهم.
                                         * * * *
بعد افتضاح أمر أخته استير التي قد ضُبِطَت مع أحد الرجال بعد طلاقها، لم يستطع بنيامين أن يزور قريته مرةً أخرى، ليواجه كل يومٍ نظرات التعيير أو حتى نظرات الشفقة في عيون أهل القرية التي لم يكن لها حديث في ذلك الوقت إلا استير المرأة المطلقة سيئة السُمعة التي ضُبِطت مع رجل، ثم هربت من القرية. كان بنيامين يعرف أن ما دفع استير لما فعلته هو العُوَز، فبعد طلاقها لم تجد من يُنفِق عليها هي وطفلَتيها التي إحداهما رضيعة، بعد وفاة والدَيهما وانخراطه هو في سلك "الرهبنة" القيروانية، لكنه لم يسامحها أبداً.
منذ جاء بنيامين ليعيش في هذا المجتمع الديني الصارم اكتسب محبة الجميع من كهنة وغير كهنة، فقد كان من أفضل النُسَّاخ، وكان يقضي الساعات الطويلة ينسخ بدقة كل كلمةٍ من كلمات التوارة والأنبياء، حتى أنه الآن، بالرغم من كونه مُستَجَدّاً، قد أصبح صاحب الرقم القياسي في النَسخ. واليوم تتم السنوات الثلاث التي يمكن بعدها لبنيامين أن يصبح عضواً رسمياً في جماعة قُمران، فبعد اتمامه لبعض الطقوس المبدئية، ظلَّ بنيامين تحت الاختبار لمدة ثلاث سنوات تنتهي اليوم.
لم يدر بنيامين كيف يشعر اليوم؟ كان قلبه مليء بالفخر والإنجاز لاجتيازه فترة الاختبار، لكنه كان يشعر في الوقت نفسه ببعض من الحيرة ويتساءل إن كان قد اختار الطريق الصحيح في الحياة.
-        لا بد أنك سعيد اليوم يا بنيامين
رد بنيامين وهو يغمس ريشته في المحبرة الرومانية المصنوعة من الرخام، ثم تردد قليلاً وأعاد الريشة إلى المحبرة.
-         لنأخذ بعض الراحة. لا يمكن أن نتحادث هكذا ونحن ننسخ كلمة الله. أصدقك القول يا يوئيل يا أخي. لا أعرف فأنا لا أكاد أنام هذه الأيام. بمجرد أن يطلق نفير النوم مساءاً وأذهب إلى فراشي، تهاجمني الأفكار كالخفافيش التي تملاً الكهوف المهجورة حولنا.
-         فيم تفكر يا بنيامين؟
-         الكثير. إذا توقفت عن التفكير في قريتي، فإني أفكر في كلام العِظات التي نسمعها هنا عن الملكوت الآتي، والمعلمين الجُدُد الذين نسمع عنهم كيوحنا المعمدان مثلاً
-         ما المشكلة في أسرتك يا بنيامين؟
-         لاشيء. لا عليك بأسرتي. الأهم الآن هو ملكوت الله. الجميع يتكلمون عن ملكوت الله، ترى من هم الصادقون؟
-         بالطبع نحن. من المؤكد أن رئيس الكهنة الأورشليمي الفاسد وأتباعه لا يملكون الإجابة. نحن أبناء سيدنا إبراهيم الحقيقيين، نحن إسرائيل الحقيقية، وسوف يبدأ الحكم السماوي لكل العالم من هنا. من هذا المكان
-         كيف؟ لم يدر بخلدك ذلك السؤال: "كيف؟"
-         سوف يأتي المَسِيّا وسوف نكون نحن جنوده المخلصون. وسوف نهزم الحكم الفاسد في أورشليم ونحرر كل البلاد اليهودية من سطوة الغرب الروماني الكافر الذي يستخدم حُكَّامَنا كدُمَى يحركها كيفما يشاء. سوف يأتي "النبيّ" أولاً كما وعد الله موسى ليعد الطريق. ثم يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل، فيحطم طرفي موآب، ويهلك كل بني الوغى. وننتصر نحن بني النور على أبناء الظلام الكفار من بني الأمم غير اليهود، والفاسقين من اليهود المتآمرين والمتعاملين معهم. بدا يوئيل وهو يتكلم ووكأنه يخطب في مئات التابعين.
-        يوئيل، هل سمعت عن يوحنا المعمدان الذي يُعمد الناس للتوبة في نهر الأردن؟
رد يوئيل وهو يحاول التخفيف من حِدّة حماسه: نعم وقد ذهبت بالفعل واعتمدت منه.
-        هل فكرت فيم يقول؟
-         الحقيقة لم أفكر كثيراً. لقد كان كل ما يهمني هو إتمام الطقس. فالمعموديات، كما تعرف، أمر ضروري جداً يا بنيامين للتطهير متى توفرت التوبة الحقيقية والحياة المنضبطة و...
-        قبل أن تعظ مرة أخرى يا يوئيل، دعني أقول لك، فأنا أيضاً قد ذهبت واعتمدت من يوحنا، لكني منذ ذلك الحين وأنا لا أستطيع التوقف عن التفكير فيما يقوله.
-        الحقيقة أنا لم ألتفت كثيراً لما يقوله
-         لقد توقفت كثيراً عند عبارة المعمدان "أن الله قادر أن يصنع من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم"
-        كلام غريب
-        اسمع أيضاً ما قاله عن المسيا
-        ماذا قال؟
-         قال: " أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار. كيف تكون معمودية الروح القدس هذه؟ ثم، ألعل  يوحنا المعمدان هذا يكون "النبي" يا يوئيل؟
-        لا أدري
-        عموماً دعنا نعد إلى عملنا. أنا لا أريد أن يقل إنتاجي، وبالذات في اليوم الذي سوف أنضم فيه رسمياً للجماعة.


3

يسوع في أورشليم القُدس

بدأ الربيع يبعث الدفء في أنحاء الجليل بعد شتاءٍ قاسٍ. بدأت أغصان الأشجار الجافّة العارية تُخرِجُ براعم غضة زاهية الخضار، تداعبها ريح الفجر الربيعي فتتأرجح كأطفال فطيمة تبدأ في تعلم المشي في خطوات متأرجحة سريعة، ثم لا تلبث أن تتعثر و تسقط، لكن إرادة الحياة تدفعها من الداخل لمواصلة المحاولة.  خرجَت العصافيرُ من أعشاشِها مع الصباحِ الباكر تحتفلُ بالدفءِ والنماء. وأصواتها التي تشبه مجموعة صفافير في أوركسترا هائلة بلا قائد، تُرَصِّعُ سماءَ الفجرِ الجليليّ الطازَج.
الأسبوع الأول من شهر إبريل (نيسان). الفصح يقترب. وهو الفصح الأول ليسوع بعد تركه مهنة النجارة وانخراطه في الخدمة الروحية المتفرغة.
 كان يسوع معتاداً أن ينزل مع أمه مريم ويوسف واخوته للعيد كل سنة، و ذات مرة عندما كان في الثانية عشر لم يعُد معهما للجليل ومكث في أورشليم. أما أبواه فلم يعرفا وظنا أنه معهما في القافلة العائدة للجليل يلهو مع الأطفال. وبعد مسيرة يومٍ كامل شعرا ببعض القلق.
-        يوسف. أين يسوع؟ غريب أنه لم يأت ليبيت معنا في الخيمة
-   لا تقلقي يا مريم، لعله بات مع سمعان والصبية الآخرين يلهون.  أنت تعلمين لقد اقترب الآن من المراهقة. يجب أن نعطيه مساحة من الحرية.
-         أنا قَلِقَة يا يوسف. أنت تعرف. ليس هذا طبع يسوع. سأذهب لأفتشَ عنه
-         سآت معك
ولما لم يجدا يسوع في القافلة مطلقاً، قررا العودة إلى أورشليم ومعهما بعض الرجال للبحث عن يسوع في أورشليم. وعندما غابت شمس اليوم الأول ولم يجداه استجرا غرفة في خان صغير لقضاء الليل وفي الصباح يواصلا البحث عن يسوع
-        ما لك يا مريم. هل تبكين؟
-   ألعل هذا هو السيف الذي قال سمعان الشيخ أنه سيجوز في نفسي؟ ثم كيف يختفي يسوع هكذا؟ وأين الوعود التي صاحبت ميلاده؟ ألعلها كانت تهيؤات. ألعلها أمانينا نحن بالخلاص.
-         اهدئي يا مريم.. سوف نجده.
-         أين نجدْه لقد فتشنا أورشليم كلها؟ لماذا يعطيني الله ابناً بدون رجل، ثم يأخذه هكذا قبل أن يصير رجلاً؟
-        نامي الآن وفي الصباح نجده بإذن الله.

أشرقت الشمس على أورشليم وهي تنزفُ  قوافل الحجيج النازلة من الهيكل المرتفع مغادرة المدينة المقدسة في جميع اتجاهات فلسطين، ومنها من كان مقصده إلى أبعد كثيراً.   يتنفس سكان أورشليم الصعداء بعد الزحام الرهيب الذي يعانون منه طوال الأسبوعين الأولين من شهر أبريل من كل سنة.
-        لم يبق إلا الهيكل. هيا نذهب يا يوسف
-   من غير المعقول أن يكون يسوع في الهيكل. أنت تعرفين أن الكهنة لا يسمحون لأحد بالبقاء في الهيكل بعد انتهاء مناسك الحج، فكم بالحري الأطفال.
-         لا أعلم. قلبي يقول لي أنه في الهيكل.
-         لنذهب على أي حال
دخل يوسف ومريم إلى الهيكل حيث كان اللاويون، خُدَّامُ الهيكل، يقومون بنشاط بتنظيف الساحة الخارجية من دماء وبقايا الأُضحِيات قبل أن تتعفن ليُلقوا بها في وادي هنوم أسف الهيكل حيث يتم حرقها. وحول أحد الأعمدة كانت مجموعة من الكهنة مجتمعة وكان يبدو عليهم الاهتمام كما لو كانت بينهم مناقشة حامية.
-    مولانا. أليست  الوصية الأولى في التوارة هي «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» كيف يقول داود في المزمور المائة والعاشر: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»؟ من هو "الرب" ومن هو ذاك الذي يدعوه داود "ربي"؟ وكيف يُكلِّم كل منهما الآخر؟
صَمَتَ الكهنةُ أمام سؤالٍ كهذا يسأله صبي عمره لم يتجاوز الثانية عشر.
-   لا تسأل عن هذه الأشياء يا فتى. أنت أصغر من أن نشرح لك هذه الأشياء. ثم لا تسأل أصلاً عن أشياء من الممكن أن تزعزع إيمانك. اعرف شيئاً واحداً أن الله واحد، واحفظ الوصايا. هيا انصرف الآن.
-         أعلم أن الله واحد. لكن.. على أي حال، أنا آسف إن كنت قد أزعجتك يا مولانا

خرج يسوع من وسط جماعة الكهنة، فأبصره أبواه فجَريا واندفعا نحوه واحتضناه وبكيا.
-        يا بنيّ. لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نبحث عنك معذبين
-        لماذا كنتما تبحثان عني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في بيت أبي؟
-    ما هذا الذي تقوله؟ بيت أبيك في الناصرة. هل اشترى أبوك بيتاً في أورشليم؟ هل ستعود للكلام الذي لا نفهمه. ثم صمَتت مريم هُنيهة، وبدا أنها فهمت ما يقول
-   أنا آسف يا أمي. سامحني يا أبي. لقد كنت أُصَلّي ونسيت نفسي. ثم عندما لم أجدك قررت أن أبقى لكيلا نتوه من بعضنا البعض، وقلت أنكما سوف تأتيان إليّ هُنا.  إنني في الهيكل أشعر بشيء غريب.  أشعر أن هذا مكاني وبيتي، ولا أشعر أنني أحتاج لأن أذهب لأي مكان آخر. سامحاني
-        وهل لم تخف لأنك لم تجدنا؟
-         أنا آسف، لم أخَف
مضى يوسف ومريم مع الرجال الذين أتوا معهم وكان يسوع يمشي وحده وراءهما وذهنه شارد في أشياء يفكر فيها ولم يقلها لأحد.
-        هل تعلمين؟ مرات أشعر أن هذا الولد ليس مِنّا. إنه ليس مثلنا.
-   في بعض المرات، حتى أنا، أشعر أنه ليس ابني. صحيح أنه خرج من بطني، ويخضع لي ويطيعني. لكنني في مرات كثيرة أشعر كما لو كان هو الكبير وأنا الصغيرة
يضحك يوسف ثم تخفت ضحكته وتتحول ملامحه للجد.
-         تصوري. أنا أيضاً أشعر بذلك أحياناً

*  *  *

إنه الآن أول عيد فصح بعد تمام يسوع الثلاثين. وهاهو يسوع ينزل إلى أورشليم للمرة الأولى بعد أن صار رسمياً رجلَ دين وانضم إلى طائفة الكتبة وهي طائفة معلمي الناموس والأنبياء.
وجد يسوع أورشليم وقد تغيرت كثيراً عما كانت عندما كان طفلاً. الشوارع أصبحت أكثر ازدحاماً. وجوه الناس أصبحت مُترَبَة مكفهرة ونادراً ما يرى ابتسامة على الوجوه. وعندما كانت تلتقي عيناه بعينيّ أحد المارة في الشوارع المزدحمة فيبتسم محيياً، نادراً ما كان يرد تحيته أحد بل في بعض الأحيان كان يتلقى نظرات حادة مستهجنة من المارة.

... ما بك يا أورشليم؟ ماذا دهاك؟
... لماذا يا مدينة الصلاة لم تعودي مدينة السلام؟ لماذا لم تعد صلاتك تعطيك سلاماً؟
 كلما اقترب يسوع من الهيكل كلما زادت كثافة الزحام فموسم الحج على وشك أن يبدأ وتعداد أورشليم يتضاعف ربما أربعة أو خمسة مرات خلال هذه الأيام. وأهل أورشليم بالرغم من ضيقهم بهذا الزحام إلا أنه فرصتهم السنوية لمزيد من الرواج ودخول العملة الصعبة القادمة مع الحجيج من كل البلاد الخاضعة للإمبراطورية الرومانية.

كانت أورشليم، بل وكل اليهودية والجليل تختبر حراكاً سياسياً واجتماعياً وروحياً شديداً وتتأرجح قلوب الناس، وبخاصة الشباب بين التطرف في الدين، وبين الشك فيه،  بين التزمت الشديد و التحرُّر المتجاوز لكل الحدود، فبين الدين "الرسمي" والحركات الروحية المتعددة، كانت وجوه الناس تَتَقَلَّب في السماء بحثاً عن الله، وعن الحقيقة.
كان الصدوقيون، وهم طائفة الكهنة الذين لا يؤمنون إلاّ بأسفار التوراة الخمسة، ويحفظون طقوس الذبائح في الهيكل، هم الذين يمثلون الدين الرسمي،  ومعروف عنهم تواطئهم مع الحكومة واشتراكهم معها في نفس درجة الفساد وحب المال. منهم بالطبع نيافة الحبر الجليل رئيس الكهنة شيخ الهيكل، ومفتي الديار اليهودية. كانت طائفة الصدوقيون تمثل الطائفة الليبرالية التي تقيم الطقوس والشرائع في العلن لكن إيمانها يميل إلى المادية، لذلك فقد كانت هي الطائفة المُفَضَّلَة لرجال الأعمال ورجال الدولة الذين يرون أنهم إذا أدّوا الصلوات في أوقاتها وأدوّا عشور الزكاة وحجّوا للهيكل وقدَّموا الذبائح والأّضحيات في مواسمها، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. كان الصدوقيون يؤمنون أيضاً أن النفس تموت مع الجسد ولا توجد قيامة أموات ولا خلود بعد الموت ولم يؤمنوا بوجود الملائكة أو الشياطين أو أي كائنات غير منظورة، وكانوا يؤمنون أن الله يبارك الإنسان الصالح بركة مادّية هنا في الأرض وكفى. وبالتالي يكون الثراء الماديّ  هو علامة رضا الله سبحانه، وهذا بالطبع كان يوافق ميلهم للسلطة والشهرة وجمع المال.
هكذا سيطر الصدوقيون على الهيكل، ورجال الأعمال على الاقتصاد ،ورجال السياسة على الحكم، وكان وشائج الصلة والمنافع المشتركة، وأيضاً المصاهرة، شديدة القوة بين هذه الطوائف الثلاث في فلسطين القرن الأول الميلادي.
هؤلاء بالرغم من سيطرتهم على الحياة الدينية الطقسية للشعب من تقديم الذبائح، ومراعاة الطقوس والأعياد وبالذات عيد ضحية الفصح الذي يأتيه الحجيج من كل بقاع الأرض، إلا أن الشعب لم يكن يثق بهم ولا يستمع إلى فتاواهم وأحكامهم. كان عامةُ الشعب مرتبطين أكثر بالفريسيين وهم الذين يؤمنون بكُل الكتاب من توراة وأنبياء وأحاديث يهودية عديدة، وتفسيرات شديدة الدقّة لكل أمور الحياة.  كان الفريسيون، من حيث العقيدة، يؤمنون بخلود النفس وقيامة الجسد ووجود الأرواح والجنة والنار، غير أنهم حصروا الصلاح في طاعة الناموس، فجاءت دياناتهم حَرفِيّة، ظاهرية وليست نابعة من القلب، فيطيلون ذقونهن، وأهداب أثوابهم ويُصلُّون قائمين مفترشين الشوارع وليس فقط في المجامع.

 كانت هذه الطائفة من الدُعاة المُتَشَدِّدين، هي الأقرب للشعب، فكان الناس يسألونهم عن أمور دينهم ودنياهم، فسيطروا على أغلب المجامع وراح الناس يستفتونهم في كل أمور حياتهم، من قضاء الحاجة إلى مباشرة النساء.  وكلما مارس هؤلاء الفريسيون غُلُواً شديداً في التحريم والتكفير، وكلما زادت كراهيتهم لنظام الحكم واتهامه بالفسق والفجور، كلما ازداد تَعَلُّقُ الناس بهم لكونهم يرون فيهم ما يتناقض مع فساد السلطة السياسية والدينية الرسمية، والدوائر المحيطة بها من رجال المال والأعمال والفن وأعلام المجتمع اليهودي.  لهذا السبب كان كل من يريد قبولاً من الشعب يظهر "التزامه" الديني بفروض الفقه الفريسي، ويعلن ارتباطه بنجوم الدُعاة الفريسيين الذين ظهرت منهم مؤخراً طبقة حديثة تستخدم لغة عاطفية بسيطة تصل إلى قلوب الشعب لكن يظل مضمون تعليمهم فريسياً متشدداً.
وسط هذه الخريطة الدينية، تاقت أرواح الناس، وبخاصة الشباب الباحث عن الصدق والحقيقة، إلى خبرة روحية حقيقية تُقَرِّبُ الإنسانَ بصدقٍ من معاني الوجود العميقة ومن أخيه الإنسان وتعطيه معنى جديداً لحياته. تاقت القلوبُ إلى علاقةٍ روحيةٍ شخصيةٍ مباشرةٍ بالله، بعيداً عن تقاليد الدين وتسلط رجاله على الناس. وقد ظَهَرَ هذا الشوق لله وللخبرة الروحية في صور ممارسات عديدة، منها من ظل متمسكاً باليهودية، ولكن في صُوَرٍ أخرى، تبحث عن الله بعيداً عن  الفساد الرسمي والتشدد الفريسي على حد سواء. ومنها من كفر باليهودية تماماً وذهب وراء الديانات السرّية ذات الأصول الوثنية، ومنهم من كفر بالعالم الروحي تماماً وأغرق نفسه في كل ما هو مادّي وحِسيّ.

من بين حركات التجديد الروحي اليهودية التي قامت في القرون الميلادية الأولى، حركة الآسينيين الذين يقال أنهم تفرعوا من الكهنة الصدوقيين رافضين ديانتهم المادّية وعاشوا في مجتمعات صغيرة في الصحراء حياة صوفية من النسك والفقر الاختياري ممتنعين عن الزواج أو أي من مباهج الحياة. من بين الآسينيين جماعة وادي قُمران التي ينتمي إليها بنيامين. هؤلاء عاشوا متوحدين في أنحاءَ متفرقةٍ من صحراء اليهودية. يرى البعض أن الآسينيين والغيورين شيءٌ واحد، وأنّ الآسينيون الذين لا يؤيدون العُنف في العلن، يساندونه في السِرّ.


أما الديانات السَرِّيّة، فكانت عديدة، أهمها كانت ديانة "مِثرا" التي كانت شائعة بالذات داخل الجيش الروماني، من القرن الأول إلى الرابع الميلادي وهي منسوبة للإله الفارسي "مِثرا" المولود من صخرة. و كانت تتم عبادة مثرا في معابد سرية  تحت الأرض، ومن ينضم لهذه الجماعة عليه أن يمارس طقوس خاصة فيها يقوم بذبح ثور والشرب من دمه والاغتسال بهذا الدم إيذاناً بولادته من جديد في الدين المثرائي ثم بعد ذلك يرتقي الداخل في هذا الدين سبعة رتب في الجماعة بقدر وفاءه بالطقوس والعهود.  كانت هذه الديانات السرّية تقدم للناس خبرة خاصة وتشبع احتياجاهم للعلاقات الحميمة وللدخول في مجتمع  آخر غير المجتمع  الذي يشعرون بفساده واليأس من تغييره.