الخميس، 1 أغسطس 2013

حلقتان من "مملكة الله" معاً


2
جماعة قُمران

تحول لون الشمس إلى البرتقاليّ المائل للحُمرة، وصارت مثل قرصٍ كبيرٍ مرسوم بيدٍ ثابتةٍ لتلميذٍ تجاوز العاشرة وتعلمَ أن يلوِّن دون أن تخرج الألوان عن الحدّ. في هذه الساعة من الغروب، انصاعت أشعة الشمس الحارقة، وصارت مُرَوَّضة، لا تخرج عن حدود ذلك القرص البرتقالي الهائل الذي يعلو هامات جبال قُمران ويمكنُ للعين المجردة أن تنظر إليه طويلاً وتتأمل جماله الأخَّاذ. بدأت أضواء مصابيح زيتية مرتعشة ترصع الفضاء الذي بدأت تزحف عليه الظلمة مثل نقوش ذهبية متفرقة على ثوب سهرة داكن الزرقة. وبدأ سكونُ المكانٍ ترصعه أيضاً أصواتُ تراتيل خافتة، يَتَخَلَّلُها صوتُ الريح الذي يُصَفِّر في فتحات الكهوف المتناثرة حول الوادي. كان وادي قُمران يقع على بعد نحو ميلٍ إلى الغرب من الطرفِ الشماليّ الغربيّ للبحر الميت، وعلى بعدٍ يزيدُ قليلاً عن ثمانية أميال إلى الجنوب من أريحا. مكانٌ منعزلُ، بعيد جداً عن أورشليم العاصمة ،لذا فقد كان موقعاً مثالياً لتلك الجماعة التَقِيَّة التي اختارت لنفسها الهجرة عن المجتمع الأورشليمي الكافر، لكي تنتظر مجيء المسيا وتَحَقُّق مملكة الله.
..اللهم انصرنا نحن أبناء النور..على القوم الكافرين
...اللهم شتت جمع أبناء الظلمة
... ليأت ملكوتك على الأرض
... يا أيها الاسم الحقيقي
... اللهم انصر إسرائيل
... ولينهزم الكفر والشرك
.. اهدم أشباه الحقائق
.. والكهنوت الشرير
.. اللهم أنصر المعلم البار
.. الهادي المهدي المنتظر
.. وليأت المسيا
.. الذي تنتظره جميع الشعوب
.. ليسود السلام على الأرض
لقد كانت هذه الطائفة تتكون من جماعة من الكهنة المُنْشَقِّين عن النظام الكهنوتي الحالي و بعض من الشعب من غير طائفة الكهنة، يعيشون حياةً مشتركةً من التقوى والتديُّن الشديدين، في الكهوف المنتشرة حول وادي قُمران. وكان لديهم مبنى رئيسي يشغل مساحة إثنا عشر قدماً مربعاً و في الجانب الشمالي منه كان يقع المطبخ و حجرة الطعام التي يأكل فيها أفراد الجماعة معاً كل الوجبات وفق نظام دقيق. فيه يجلس كلُ واحدٍ بحسب رتبته، ويقوم المعلم الكبير بمباركة الخبز والخمر، ثم يتلون صلوات الشكر منتظرين يوم أن يجلسوا إلى مائدة المسيا الذي سوف يأتي لتبدأ مملكة الله.  وإلى الجنوب الغربي كانت توجد خمس حجرات تستخدم كأماكن للدراسة والصلاة. ومن بين هذه الحجرات الخمسة، كانت حجرة النُسَّاخ الذين كانوا يقضون أكثر من عشر ساعات يومياً منهمكين في نسخ التوارة وكتب الأنبياء على رقائق من جلد الماعز موصولة معاً، ويقومون  بلفِّها بعناية في لفائف من الكتان ثم وضعها في أواني فخارية أنيقة يصنعونها بأنفسهم في المستوطنة ذاتها.  وكان في الركن الشمالي الغربي من المبنى، برج حصين يتناوب شباب الجماعة على حراسته نهاراً وليلاً ليستطيعوا مراقبة الطريق والهروب قبل مجيء حملات الاعتقال التي كانت تقوم بها القوات الخاصة المدعومة بأفراد الأمن المركزي لتعتقل بعض من قادتهم وهكذا تبقي عليهم ضعفاء، وذلك لأن الحكومة المركزية في أورشليم تخشى قيامهم، بعد طول الانتظار، بتحقيق مملكة الله بأيديهم. وهذا ما كانت تتبناه جماعة منهم أكثر عسكرية وهي جماعة الغيورين التي تتعرض لقمع الدولة أكثر منهم.
                                         * * * *
بعد افتضاح أمر أخته استير التي قد ضُبِطَت مع أحد الرجال بعد طلاقها، لم يستطع بنيامين أن يزور قريته مرةً أخرى، ليواجه كل يومٍ نظرات التعيير أو حتى نظرات الشفقة في عيون أهل القرية التي لم يكن لها حديث في ذلك الوقت إلا استير المرأة المطلقة سيئة السُمعة التي ضُبِطت مع رجل، ثم هربت من القرية. كان بنيامين يعرف أن ما دفع استير لما فعلته هو العُوَز، فبعد طلاقها لم تجد من يُنفِق عليها هي وطفلَتيها التي إحداهما رضيعة، بعد وفاة والدَيهما وانخراطه هو في سلك "الرهبنة" القيروانية، لكنه لم يسامحها أبداً.
منذ جاء بنيامين ليعيش في هذا المجتمع الديني الصارم اكتسب محبة الجميع من كهنة وغير كهنة، فقد كان من أفضل النُسَّاخ، وكان يقضي الساعات الطويلة ينسخ بدقة كل كلمةٍ من كلمات التوارة والأنبياء، حتى أنه الآن، بالرغم من كونه مُستَجَدّاً، قد أصبح صاحب الرقم القياسي في النَسخ. واليوم تتم السنوات الثلاث التي يمكن بعدها لبنيامين أن يصبح عضواً رسمياً في جماعة قُمران، فبعد اتمامه لبعض الطقوس المبدئية، ظلَّ بنيامين تحت الاختبار لمدة ثلاث سنوات تنتهي اليوم.
لم يدر بنيامين كيف يشعر اليوم؟ كان قلبه مليء بالفخر والإنجاز لاجتيازه فترة الاختبار، لكنه كان يشعر في الوقت نفسه ببعض من الحيرة ويتساءل إن كان قد اختار الطريق الصحيح في الحياة.
-        لا بد أنك سعيد اليوم يا بنيامين
رد بنيامين وهو يغمس ريشته في المحبرة الرومانية المصنوعة من الرخام، ثم تردد قليلاً وأعاد الريشة إلى المحبرة.
-         لنأخذ بعض الراحة. لا يمكن أن نتحادث هكذا ونحن ننسخ كلمة الله. أصدقك القول يا يوئيل يا أخي. لا أعرف فأنا لا أكاد أنام هذه الأيام. بمجرد أن يطلق نفير النوم مساءاً وأذهب إلى فراشي، تهاجمني الأفكار كالخفافيش التي تملاً الكهوف المهجورة حولنا.
-         فيم تفكر يا بنيامين؟
-         الكثير. إذا توقفت عن التفكير في قريتي، فإني أفكر في كلام العِظات التي نسمعها هنا عن الملكوت الآتي، والمعلمين الجُدُد الذين نسمع عنهم كيوحنا المعمدان مثلاً
-         ما المشكلة في أسرتك يا بنيامين؟
-         لاشيء. لا عليك بأسرتي. الأهم الآن هو ملكوت الله. الجميع يتكلمون عن ملكوت الله، ترى من هم الصادقون؟
-         بالطبع نحن. من المؤكد أن رئيس الكهنة الأورشليمي الفاسد وأتباعه لا يملكون الإجابة. نحن أبناء سيدنا إبراهيم الحقيقيين، نحن إسرائيل الحقيقية، وسوف يبدأ الحكم السماوي لكل العالم من هنا. من هذا المكان
-         كيف؟ لم يدر بخلدك ذلك السؤال: "كيف؟"
-         سوف يأتي المَسِيّا وسوف نكون نحن جنوده المخلصون. وسوف نهزم الحكم الفاسد في أورشليم ونحرر كل البلاد اليهودية من سطوة الغرب الروماني الكافر الذي يستخدم حُكَّامَنا كدُمَى يحركها كيفما يشاء. سوف يأتي "النبيّ" أولاً كما وعد الله موسى ليعد الطريق. ثم يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل، فيحطم طرفي موآب، ويهلك كل بني الوغى. وننتصر نحن بني النور على أبناء الظلام الكفار من بني الأمم غير اليهود، والفاسقين من اليهود المتآمرين والمتعاملين معهم. بدا يوئيل وهو يتكلم ووكأنه يخطب في مئات التابعين.
-        يوئيل، هل سمعت عن يوحنا المعمدان الذي يُعمد الناس للتوبة في نهر الأردن؟
رد يوئيل وهو يحاول التخفيف من حِدّة حماسه: نعم وقد ذهبت بالفعل واعتمدت منه.
-        هل فكرت فيم يقول؟
-         الحقيقة لم أفكر كثيراً. لقد كان كل ما يهمني هو إتمام الطقس. فالمعموديات، كما تعرف، أمر ضروري جداً يا بنيامين للتطهير متى توفرت التوبة الحقيقية والحياة المنضبطة و...
-        قبل أن تعظ مرة أخرى يا يوئيل، دعني أقول لك، فأنا أيضاً قد ذهبت واعتمدت من يوحنا، لكني منذ ذلك الحين وأنا لا أستطيع التوقف عن التفكير فيما يقوله.
-        الحقيقة أنا لم ألتفت كثيراً لما يقوله
-         لقد توقفت كثيراً عند عبارة المعمدان "أن الله قادر أن يصنع من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم"
-        كلام غريب
-        اسمع أيضاً ما قاله عن المسيا
-        ماذا قال؟
-         قال: " أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار. كيف تكون معمودية الروح القدس هذه؟ ثم، ألعل  يوحنا المعمدان هذا يكون "النبي" يا يوئيل؟
-        لا أدري
-        عموماً دعنا نعد إلى عملنا. أنا لا أريد أن يقل إنتاجي، وبالذات في اليوم الذي سوف أنضم فيه رسمياً للجماعة.


3

يسوع في أورشليم القُدس

بدأ الربيع يبعث الدفء في أنحاء الجليل بعد شتاءٍ قاسٍ. بدأت أغصان الأشجار الجافّة العارية تُخرِجُ براعم غضة زاهية الخضار، تداعبها ريح الفجر الربيعي فتتأرجح كأطفال فطيمة تبدأ في تعلم المشي في خطوات متأرجحة سريعة، ثم لا تلبث أن تتعثر و تسقط، لكن إرادة الحياة تدفعها من الداخل لمواصلة المحاولة.  خرجَت العصافيرُ من أعشاشِها مع الصباحِ الباكر تحتفلُ بالدفءِ والنماء. وأصواتها التي تشبه مجموعة صفافير في أوركسترا هائلة بلا قائد، تُرَصِّعُ سماءَ الفجرِ الجليليّ الطازَج.
الأسبوع الأول من شهر إبريل (نيسان). الفصح يقترب. وهو الفصح الأول ليسوع بعد تركه مهنة النجارة وانخراطه في الخدمة الروحية المتفرغة.
 كان يسوع معتاداً أن ينزل مع أمه مريم ويوسف واخوته للعيد كل سنة، و ذات مرة عندما كان في الثانية عشر لم يعُد معهما للجليل ومكث في أورشليم. أما أبواه فلم يعرفا وظنا أنه معهما في القافلة العائدة للجليل يلهو مع الأطفال. وبعد مسيرة يومٍ كامل شعرا ببعض القلق.
-        يوسف. أين يسوع؟ غريب أنه لم يأت ليبيت معنا في الخيمة
-   لا تقلقي يا مريم، لعله بات مع سمعان والصبية الآخرين يلهون.  أنت تعلمين لقد اقترب الآن من المراهقة. يجب أن نعطيه مساحة من الحرية.
-         أنا قَلِقَة يا يوسف. أنت تعرف. ليس هذا طبع يسوع. سأذهب لأفتشَ عنه
-         سآت معك
ولما لم يجدا يسوع في القافلة مطلقاً، قررا العودة إلى أورشليم ومعهما بعض الرجال للبحث عن يسوع في أورشليم. وعندما غابت شمس اليوم الأول ولم يجداه استجرا غرفة في خان صغير لقضاء الليل وفي الصباح يواصلا البحث عن يسوع
-        ما لك يا مريم. هل تبكين؟
-   ألعل هذا هو السيف الذي قال سمعان الشيخ أنه سيجوز في نفسي؟ ثم كيف يختفي يسوع هكذا؟ وأين الوعود التي صاحبت ميلاده؟ ألعلها كانت تهيؤات. ألعلها أمانينا نحن بالخلاص.
-         اهدئي يا مريم.. سوف نجده.
-         أين نجدْه لقد فتشنا أورشليم كلها؟ لماذا يعطيني الله ابناً بدون رجل، ثم يأخذه هكذا قبل أن يصير رجلاً؟
-        نامي الآن وفي الصباح نجده بإذن الله.

أشرقت الشمس على أورشليم وهي تنزفُ  قوافل الحجيج النازلة من الهيكل المرتفع مغادرة المدينة المقدسة في جميع اتجاهات فلسطين، ومنها من كان مقصده إلى أبعد كثيراً.   يتنفس سكان أورشليم الصعداء بعد الزحام الرهيب الذي يعانون منه طوال الأسبوعين الأولين من شهر أبريل من كل سنة.
-        لم يبق إلا الهيكل. هيا نذهب يا يوسف
-   من غير المعقول أن يكون يسوع في الهيكل. أنت تعرفين أن الكهنة لا يسمحون لأحد بالبقاء في الهيكل بعد انتهاء مناسك الحج، فكم بالحري الأطفال.
-         لا أعلم. قلبي يقول لي أنه في الهيكل.
-         لنذهب على أي حال
دخل يوسف ومريم إلى الهيكل حيث كان اللاويون، خُدَّامُ الهيكل، يقومون بنشاط بتنظيف الساحة الخارجية من دماء وبقايا الأُضحِيات قبل أن تتعفن ليُلقوا بها في وادي هنوم أسف الهيكل حيث يتم حرقها. وحول أحد الأعمدة كانت مجموعة من الكهنة مجتمعة وكان يبدو عليهم الاهتمام كما لو كانت بينهم مناقشة حامية.
-    مولانا. أليست  الوصية الأولى في التوارة هي «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» كيف يقول داود في المزمور المائة والعاشر: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»؟ من هو "الرب" ومن هو ذاك الذي يدعوه داود "ربي"؟ وكيف يُكلِّم كل منهما الآخر؟
صَمَتَ الكهنةُ أمام سؤالٍ كهذا يسأله صبي عمره لم يتجاوز الثانية عشر.
-   لا تسأل عن هذه الأشياء يا فتى. أنت أصغر من أن نشرح لك هذه الأشياء. ثم لا تسأل أصلاً عن أشياء من الممكن أن تزعزع إيمانك. اعرف شيئاً واحداً أن الله واحد، واحفظ الوصايا. هيا انصرف الآن.
-         أعلم أن الله واحد. لكن.. على أي حال، أنا آسف إن كنت قد أزعجتك يا مولانا

خرج يسوع من وسط جماعة الكهنة، فأبصره أبواه فجَريا واندفعا نحوه واحتضناه وبكيا.
-        يا بنيّ. لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نبحث عنك معذبين
-        لماذا كنتما تبحثان عني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في بيت أبي؟
-    ما هذا الذي تقوله؟ بيت أبيك في الناصرة. هل اشترى أبوك بيتاً في أورشليم؟ هل ستعود للكلام الذي لا نفهمه. ثم صمَتت مريم هُنيهة، وبدا أنها فهمت ما يقول
-   أنا آسف يا أمي. سامحني يا أبي. لقد كنت أُصَلّي ونسيت نفسي. ثم عندما لم أجدك قررت أن أبقى لكيلا نتوه من بعضنا البعض، وقلت أنكما سوف تأتيان إليّ هُنا.  إنني في الهيكل أشعر بشيء غريب.  أشعر أن هذا مكاني وبيتي، ولا أشعر أنني أحتاج لأن أذهب لأي مكان آخر. سامحاني
-        وهل لم تخف لأنك لم تجدنا؟
-         أنا آسف، لم أخَف
مضى يوسف ومريم مع الرجال الذين أتوا معهم وكان يسوع يمشي وحده وراءهما وذهنه شارد في أشياء يفكر فيها ولم يقلها لأحد.
-        هل تعلمين؟ مرات أشعر أن هذا الولد ليس مِنّا. إنه ليس مثلنا.
-   في بعض المرات، حتى أنا، أشعر أنه ليس ابني. صحيح أنه خرج من بطني، ويخضع لي ويطيعني. لكنني في مرات كثيرة أشعر كما لو كان هو الكبير وأنا الصغيرة
يضحك يوسف ثم تخفت ضحكته وتتحول ملامحه للجد.
-         تصوري. أنا أيضاً أشعر بذلك أحياناً

*  *  *

إنه الآن أول عيد فصح بعد تمام يسوع الثلاثين. وهاهو يسوع ينزل إلى أورشليم للمرة الأولى بعد أن صار رسمياً رجلَ دين وانضم إلى طائفة الكتبة وهي طائفة معلمي الناموس والأنبياء.
وجد يسوع أورشليم وقد تغيرت كثيراً عما كانت عندما كان طفلاً. الشوارع أصبحت أكثر ازدحاماً. وجوه الناس أصبحت مُترَبَة مكفهرة ونادراً ما يرى ابتسامة على الوجوه. وعندما كانت تلتقي عيناه بعينيّ أحد المارة في الشوارع المزدحمة فيبتسم محيياً، نادراً ما كان يرد تحيته أحد بل في بعض الأحيان كان يتلقى نظرات حادة مستهجنة من المارة.

... ما بك يا أورشليم؟ ماذا دهاك؟
... لماذا يا مدينة الصلاة لم تعودي مدينة السلام؟ لماذا لم تعد صلاتك تعطيك سلاماً؟
 كلما اقترب يسوع من الهيكل كلما زادت كثافة الزحام فموسم الحج على وشك أن يبدأ وتعداد أورشليم يتضاعف ربما أربعة أو خمسة مرات خلال هذه الأيام. وأهل أورشليم بالرغم من ضيقهم بهذا الزحام إلا أنه فرصتهم السنوية لمزيد من الرواج ودخول العملة الصعبة القادمة مع الحجيج من كل البلاد الخاضعة للإمبراطورية الرومانية.

كانت أورشليم، بل وكل اليهودية والجليل تختبر حراكاً سياسياً واجتماعياً وروحياً شديداً وتتأرجح قلوب الناس، وبخاصة الشباب بين التطرف في الدين، وبين الشك فيه،  بين التزمت الشديد و التحرُّر المتجاوز لكل الحدود، فبين الدين "الرسمي" والحركات الروحية المتعددة، كانت وجوه الناس تَتَقَلَّب في السماء بحثاً عن الله، وعن الحقيقة.
كان الصدوقيون، وهم طائفة الكهنة الذين لا يؤمنون إلاّ بأسفار التوراة الخمسة، ويحفظون طقوس الذبائح في الهيكل، هم الذين يمثلون الدين الرسمي،  ومعروف عنهم تواطئهم مع الحكومة واشتراكهم معها في نفس درجة الفساد وحب المال. منهم بالطبع نيافة الحبر الجليل رئيس الكهنة شيخ الهيكل، ومفتي الديار اليهودية. كانت طائفة الصدوقيون تمثل الطائفة الليبرالية التي تقيم الطقوس والشرائع في العلن لكن إيمانها يميل إلى المادية، لذلك فقد كانت هي الطائفة المُفَضَّلَة لرجال الأعمال ورجال الدولة الذين يرون أنهم إذا أدّوا الصلوات في أوقاتها وأدوّا عشور الزكاة وحجّوا للهيكل وقدَّموا الذبائح والأّضحيات في مواسمها، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. كان الصدوقيون يؤمنون أيضاً أن النفس تموت مع الجسد ولا توجد قيامة أموات ولا خلود بعد الموت ولم يؤمنوا بوجود الملائكة أو الشياطين أو أي كائنات غير منظورة، وكانوا يؤمنون أن الله يبارك الإنسان الصالح بركة مادّية هنا في الأرض وكفى. وبالتالي يكون الثراء الماديّ  هو علامة رضا الله سبحانه، وهذا بالطبع كان يوافق ميلهم للسلطة والشهرة وجمع المال.
هكذا سيطر الصدوقيون على الهيكل، ورجال الأعمال على الاقتصاد ،ورجال السياسة على الحكم، وكان وشائج الصلة والمنافع المشتركة، وأيضاً المصاهرة، شديدة القوة بين هذه الطوائف الثلاث في فلسطين القرن الأول الميلادي.
هؤلاء بالرغم من سيطرتهم على الحياة الدينية الطقسية للشعب من تقديم الذبائح، ومراعاة الطقوس والأعياد وبالذات عيد ضحية الفصح الذي يأتيه الحجيج من كل بقاع الأرض، إلا أن الشعب لم يكن يثق بهم ولا يستمع إلى فتاواهم وأحكامهم. كان عامةُ الشعب مرتبطين أكثر بالفريسيين وهم الذين يؤمنون بكُل الكتاب من توراة وأنبياء وأحاديث يهودية عديدة، وتفسيرات شديدة الدقّة لكل أمور الحياة.  كان الفريسيون، من حيث العقيدة، يؤمنون بخلود النفس وقيامة الجسد ووجود الأرواح والجنة والنار، غير أنهم حصروا الصلاح في طاعة الناموس، فجاءت دياناتهم حَرفِيّة، ظاهرية وليست نابعة من القلب، فيطيلون ذقونهن، وأهداب أثوابهم ويُصلُّون قائمين مفترشين الشوارع وليس فقط في المجامع.

 كانت هذه الطائفة من الدُعاة المُتَشَدِّدين، هي الأقرب للشعب، فكان الناس يسألونهم عن أمور دينهم ودنياهم، فسيطروا على أغلب المجامع وراح الناس يستفتونهم في كل أمور حياتهم، من قضاء الحاجة إلى مباشرة النساء.  وكلما مارس هؤلاء الفريسيون غُلُواً شديداً في التحريم والتكفير، وكلما زادت كراهيتهم لنظام الحكم واتهامه بالفسق والفجور، كلما ازداد تَعَلُّقُ الناس بهم لكونهم يرون فيهم ما يتناقض مع فساد السلطة السياسية والدينية الرسمية، والدوائر المحيطة بها من رجال المال والأعمال والفن وأعلام المجتمع اليهودي.  لهذا السبب كان كل من يريد قبولاً من الشعب يظهر "التزامه" الديني بفروض الفقه الفريسي، ويعلن ارتباطه بنجوم الدُعاة الفريسيين الذين ظهرت منهم مؤخراً طبقة حديثة تستخدم لغة عاطفية بسيطة تصل إلى قلوب الشعب لكن يظل مضمون تعليمهم فريسياً متشدداً.
وسط هذه الخريطة الدينية، تاقت أرواح الناس، وبخاصة الشباب الباحث عن الصدق والحقيقة، إلى خبرة روحية حقيقية تُقَرِّبُ الإنسانَ بصدقٍ من معاني الوجود العميقة ومن أخيه الإنسان وتعطيه معنى جديداً لحياته. تاقت القلوبُ إلى علاقةٍ روحيةٍ شخصيةٍ مباشرةٍ بالله، بعيداً عن تقاليد الدين وتسلط رجاله على الناس. وقد ظَهَرَ هذا الشوق لله وللخبرة الروحية في صور ممارسات عديدة، منها من ظل متمسكاً باليهودية، ولكن في صُوَرٍ أخرى، تبحث عن الله بعيداً عن  الفساد الرسمي والتشدد الفريسي على حد سواء. ومنها من كفر باليهودية تماماً وذهب وراء الديانات السرّية ذات الأصول الوثنية، ومنهم من كفر بالعالم الروحي تماماً وأغرق نفسه في كل ما هو مادّي وحِسيّ.

من بين حركات التجديد الروحي اليهودية التي قامت في القرون الميلادية الأولى، حركة الآسينيين الذين يقال أنهم تفرعوا من الكهنة الصدوقيين رافضين ديانتهم المادّية وعاشوا في مجتمعات صغيرة في الصحراء حياة صوفية من النسك والفقر الاختياري ممتنعين عن الزواج أو أي من مباهج الحياة. من بين الآسينيين جماعة وادي قُمران التي ينتمي إليها بنيامين. هؤلاء عاشوا متوحدين في أنحاءَ متفرقةٍ من صحراء اليهودية. يرى البعض أن الآسينيين والغيورين شيءٌ واحد، وأنّ الآسينيون الذين لا يؤيدون العُنف في العلن، يساندونه في السِرّ.


أما الديانات السَرِّيّة، فكانت عديدة، أهمها كانت ديانة "مِثرا" التي كانت شائعة بالذات داخل الجيش الروماني، من القرن الأول إلى الرابع الميلادي وهي منسوبة للإله الفارسي "مِثرا" المولود من صخرة. و كانت تتم عبادة مثرا في معابد سرية  تحت الأرض، ومن ينضم لهذه الجماعة عليه أن يمارس طقوس خاصة فيها يقوم بذبح ثور والشرب من دمه والاغتسال بهذا الدم إيذاناً بولادته من جديد في الدين المثرائي ثم بعد ذلك يرتقي الداخل في هذا الدين سبعة رتب في الجماعة بقدر وفاءه بالطقوس والعهود.  كانت هذه الديانات السرّية تقدم للناس خبرة خاصة وتشبع احتياجاهم للعلاقات الحميمة وللدخول في مجتمع  آخر غير المجتمع  الذي يشعرون بفساده واليأس من تغييره.

الخميس، 18 يوليو 2013


1
مملكة الله

مملكة الله. تلك العبارة المشحونة بالمشاعر والمعاني المغلقة على الفهم، تجعل الصور تتراقص في خيال السامعين للراهب الثائر يوحنا المعمدان وهو يصرخ: "توبوا لأنه قد اقتربت مملكة الله." صورٌ مبهجةٌ تدور في خيال السامعين.. راياتٌ زاهيةُ الألوان تخفق تحت رؤوسٍ تملؤها العزيمة والتصميم. جيوشٌ بَرَّاقَة، تلمع فيها تحت أشعّة الشمس، حدودُ السيوفِ المسنونة والخوذات النحاسية والنياشين الذهبية للضباط والقادة. الهيكلُ على مرتفعٍ عالٍ وسط المدينة المُقَدَّسَة، أورشليم وفي قلب حياتها الدينية والاجتماعية. بناءٌ شامخٌ، مفخرة الشعب الساكن في الأراضي المقدسة والمتناثر في كل أنحاء العالم. يقتطعون من قوت عيالهم لكي يحجوا إليه كل سنة.  ذلك الحلم بالمملكة  اليهودية، التي يأتيها الزوار المبهورون من المشرق والمغرب. رُسلٌ من كل أمةٍ وشعبٍ، شُقرٌ ناصعون،  وسود لامعون، وصفرٌ قادمون من أقصى الشرق يترضون وجه ملكِ كل الأرض بهدايا من بلادِهم. كلُ خيرات الأمم تتدافع إلى أورشليم، وشعبُها يعبدُ الإله الواحد الذي تنحني أمامه كل الأصنام.
بينما كان تعليم المعمدان يشكل رأس الحربة في الحراك الدينيّ الحادث، كانت رياحُ التغييرِ تلعب في اليهودية والجليل، وكان الحراكُ الاجتماعيّ والاقتصادي يتصاعد. الجميع يشعرون بالترقب المشوب بالحذر والخوف وبعض اليأس من التغيير. هيرودسُ الكبير مات، و بعد وفاته انقسَمَت فلسطينُ بين أرخيلاوس الوالي على اليهودية، و هيرودس أنتيباس على الجليل وفيلبس أخاه على قيصرية، التي سُمِّيَت باسمه، وأصبحت تُدعَى: "قيصرية فيلبس".  ميليشيات "الغيورين" تَتَدَرَّبُ في أماكنَ صحراوية نائية لتبقى متأهبةً على هامش الحياة السياسية، منتظرة اللحظة التي يضعُف فيها الحكم، للدرجة التي تجعلها قادرة على الوثوب عليه، مثل البكتريا التي تعيش في الأمعاء وعلى سطح الجلد منتظرة ومتمنية اللحظة التي تضعف فيها مناعة الجسم المترهل المثقل بالهموم والديون والفساد.
ولعل المثل الصارخ للفساد كان هيرودس أنتيباس. حاكمُ الجليلِ الذي جَمَعَ حوله ثُلَّةً من التجار والعشارين الفاسدين، الذين يمتصون دماء الشعب، ويلقون له بفتات من "فُرص العمل" ووعود الاستثمار الذي لا تذهبُ ثمارُهُ إلا إلى فِئة الواحدِ بالمائةِ من الشعب، بينما الباقون يزدادون فقراً، وكلما عَلَت بعضُ أصواتِ المعارضة لفضح الفساد، وارتفاع الهوة بين الأغنياء والفقراء، كان الردُ سريعاً بتقاريرَ وإحصاءاتٍ كلها تشير إلى النمو الاقتصادي الذي حققته الحكومة خلال السنوات الأخيرة وكيف ارتفع "متوسط" دخل الفرد في الجليل،  وكيف زاد مُتَوَسِّط إنفاق الفرد، بينما الحقيقة أن هذا الإنسان "المتوسط" ليس سوى إنساناً افتراضياً غير موجود سوى في أوراقهم. إنه المتوسط الحسابي بين الغِنَى الفاحِش والفقر المدقع الذي يعاني منه شعب الجليل. وهكذا يستمر "التعاون" بين رجال السلطة ورجال المال مع رجال الاقتصاد والإعلام، مكونَيْن "لُوبي" منيع لا تخترقه أحلام التغيير.
تذهبُ "الكاميراً" بعيداً. تخرُجُ تدريجياً  خارج "كردون" المدينة الأخطبوطية المترهلة ــــ أورشليم، التي تترامى أطرافها بدون تخطيط، وبضعف شديد في البنية التحتية، والقدرة على الإدارة. تعبر الكاميرا "الطريق الدائري" الذي يصِلُ أورشليمَ بأريحا. وهو طريق متهالك رغم حداثته، وحالك الظلام، حيث تضاء مصابيحه في النهار وتطفئ ليلاً. ربما كان هذا هو السبب الذي يجعل الكثير من حوادث التحرش والاغتصاب والسرقة بالإكراه تحدث، ومن هذه القصص تلك القصة الشهيرة التي تناقلها المجتمع عن ذلك السامريّ "الصالح" الذي أنقَذَ يهودياً هجم عليه اللصوص في هذا الطريق.
تتحرك الكاميرا إلى الغرب قليلاً لتجد مجموعة من اليهود الأتقياء الذين يعيشون في الكهوف المنتشرة في صحراء اليهودية. يُصَلّون طوال النهار والليل قائمين مبتهلين. كانت هذه المجموعات المسماة بالقيروانيين أو الآسينيين، تصلي منتظرة حلول ملكوت السموات وسيادة العدل الكامل والبر الذي لا تشوبه شائب. عندما يختفي الفقر والمرض و الخطية وينتشر الإيمان الصحيح وذلك عندما يأتي المسيّا بقوةٍ، وسلطانٍ إلهيين ليفعلَ  كل شيء وهم يُشاهِدون ويُمَجِّدون الله.
لقطة بانورامية للهيكل.. اليوم عيد الفصح. نهاية مناسك الحج إلى الهيكل في أورشليم. مئات من البسطاء يسيرون بإعياء، طريقاً طويلاً صاعداً للهيكل. فقراءٌ اقتطعوا من قوتهم اليومي ثمناً لذبائح متواضعة مثلهم من الحمام واليمام، يرجون بها أن يتقبل الله صلاتهم ويغفر ذنوبهم. بعضهم جاءوا من بلادٍ بعيدة يحملون جوازات سفرهم، وبها تلك التأشيرة الغالية للأراضي المقدسة التي دفعوا فيها ربما كل ما يملكون. بعضُهم جاء بالقُرعة الحكومية في وسائل نقل أقل من الآدمية، "استُشهِدَ" فيها السنة الماضية الآلاف غرقاً في البحر على ظهر سفينة يملكها أحد رجال الثقة المقربين من الحكم الهيرودسي في الجليل والذي قد فَرَّ بالطبع دون عقاب منتظراً أن ينسى الناس الذين لا يجيدون شيئاً سوى النسيان، ثم يأتي حكم البراءة بعد سنواتٍ كخبرٍ صغيرٍ في الجريدة الحكومية لا يقرأه أحد. بعضهم وضعوا كل مُدَّخرات شيخوختهم آملين أن يموتوا ويدفنوا في أطهر بقاع الأرض، أو حتى يموتوا دونها. وإن عاشوا فثمّة رحلة واحدة سنوياً إلى الهيكل في أورشليم تضمن لهم غفران الخطايا والبداية من جديد.
تصعد الكاميرا وتسبق جموع الحجيج. تتزايد سحب البخور وتتضح تدريجياً أصواتِ التراتيل الدينية بلغة عبرانية غريبة لم يعد يستخدمها الشعب الذي  أصبح يتكلم الآرامية في معاملات حياته اليومية. تتسلل الكاميرا الخبيثة خلف أحد أعمدة الهيكل في القُدس الذي يتمتع بدرجة من الظلام حتى في منتصف النهار، تكون كافية لأن تحدثَ فيه أحداث بعيدة عن عيون الصحافةِ التي أصبحت متربصةً بالجميع. 
من هذا؟  إنه أحد كبار تجار أورشليم. ملابِسَهُ الحريريةُ تكشف حالته الاقتصادية المختلفة عن أغلب السائرين حوله في جماعاتٍ تتفرقُ وتتجمع، بينما يقومُ الجميع بمناسِك الحج.  أما هو، فلماذا يتحرك بسرعةٍ متسللاً خلف هذا العامود؟
ما الذي يُخرِجَهُ من حزامهِ المصنوع من الحرير "السادة" والذي يلف به ثوبه الحريري الفضفاض المنقوش بنقشةٍ لا تنسج إلا في بلاد الهند البعيدة مما يجعله غالي الثمن جداً. هزّ الكيس قليلاً في فخر، فَهَمَست رنةٌ مكتومةٌ لعملاتٍ ذهبية تكدست داخل الكيس حتى لا يكون كبير الحجم فيلفت النظر. يمد به يده بخوف وتردد . تخرج من الظلام يد متمرسة وفي حركة خاطفة بارعة تلتقط الكيس. تقتحم الكاميرا الظلام لترى من صاحب اليد التي خرجت من الظلام وتكون المفاجأة. إنه مولانا نيافة الحبر الجليل شيخ الهيكل. بسرعة تحركت خطوات صاحب النيافة بخفة وسرعة غير مُتَمَشِّيَةٍ مع سنواتِ عمره السبعين والتي تشى بها لحيته التي احتَلَّها المشيب تماماً، وفي حركة واحدة أخفى كيس الذهب في ملابسه السوداء الفضفاضة التي تصدر مع خطواته السريعة حفيفاً مسموعاً يشبه ضربات أجنحة الخفافيش التي تعيش في الكهوف المظلمة أثناء النهار.
 توارى مولانا خلف الأعمدة الكثيرة. وانسحب التاجر ليخرج بسرعة من القدس الذي لا يحلُّ دخولُه إلا للكهنة، ويختفي وسط زحام الحجيج متوجهاً لقاعة الأمم.
قاعة الأمم هي إحدى قاعات الهيكل، كانت في التصميم الأساسيّ مُخَصَّصَةً للضيوفِ من الأمم الوثنيين الذين كانوا يسمعون من اليهود المقيمين في بلادهم عن الإله الواحد فيأتون معهم لحضور مناسك عبادة هذا الأله حتى أن بعضهم يقرر الانتماء له وعبادته.  لذلك فقد كان في تصميم الهيكل مكاناً لغير اليهود للمشاركة في العبادة. وذلك لكي يكون الهيكل بيت صلاة لكل الشعوب وليس للشعب اليهودي وحده. فقد كانت مسئولية الشعب اليهودي ليست فقط أن يكون فقط "خير أمة أخرجت للناس" وإنما أن يكون نوراً لباقي الأمم. و مع الوقت ضَعُفَ الاهتمام بهذه القاعة وكان هذا يعكس كراهية اليهود للأمم،  حيث اعتبروهم كلاباً وأقل من البشر، فظلت هذه القاعة خالية مهجورة لقرون عديدة، حتى جاءت الحكومة الحالية بأحلامها وبرامجها الاستثمارية.
ويُروَى أنه في أحد اجتماعات مجلس الوزراء، تساءل وزير "الاستثمار" بجرأة يتمتع بها ذلك الجيل الجديد من قادة الحزب: "لماذا تظل هذه القاعة هكذا خالية، طالما لا يجرؤ أي إنسان من الأمم أن يطأها بقدمه؟" عندئذٍ نَظَرَ أفراد الحرسُ القديم بعضهم لبعض مندهشين لجرأة هذا الوزير الجديد الذي يتنمي لطبقة رجال الأعمال والذي لم يمارس السياسة مطلقاً قبل التحاقه بالحكومة، لذلك لم يكن يفكر إلا بمنطق الربح والخسارة ولم يكن يدر أن هناك مناطق محظورة لا ينبغي الكلام عنها مطلقاً. مضى الوزير الشاب يواصل حديثه ولم يستطع أحد مقاطعته فهو صديق عزيز لابن الملك الذي يعّدونه للخلافة.
-        لماذا لا نستغلها لإقامة مشروع استثماري يديره بعض من رجال الأعمال الوطنيين، ويوفر فرص عمل للشعب "المكافح"؟ . لم يفته أن يستخدم بعض من العبارات السياسية المعروفة التي لم يكن في واقع الأمر يؤمن بها.
لم يعلّق أحد بالقبول أو الرفض فقد كانوا لا يريدون الدخول في مشاريع جديدة بعد ما حدث في بُرج سلوام. الذي بسبب "التوفير" في أساسته من الأسمنت والحديد المغشوش، والذي يحتكر صناعته عضو بارز آخر في الحزب الحاكم، سقط على سكانه وقتل ثمانية عشر منهم. فعقد الشيخ الكبير يومها "مؤتمراً صحفياً" دعا إليه كل مندوبي الصحف ووكالات الأنباء المحلية والأجنبية ليصرّح فيه بأن المصيبة التي حدثت، كانت عقاباً من الله، فهؤلاء الثمانية عشر بالذات كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم في ذلك الوقت. حيث أنهم كانوا يُفرِّطون في الصلاة وكانت نساءهم سافرات متبرجات فأنزل الله بهم هذا العقاب.
هذه مجرد عينة من التعاون المستمر بين رجال المال والتجارة الذين يشكلون الرأسمالية الوطنية اليهودية ورجال الدين، حماة الهيكل والشريعة ومصدر الإفتاء والمشورة الدينية. وهذا بالطبع يعيد للأذهان القضية التي شغلت الرأي العام اليهودي لشهور عديدة ، وهي قضية زواج الملك هيرودس أنتيباس الحاكم في الجليل من هيروديا امرأة أخيه فيلبس حاكم قيصرية. وقتها ثار جدلُ شديد، وكتبت كل صحف المعارضة عن الزواج وكيف أن هيرودس كان في علاقة عاطفية مع هيروديا حتى أثناء حياة فيلبس.
في نفس الوقت كانت صُحُف الحكومة تفرد المقالات الطويلة التي توضح فيها سماحة هيرودس وكيف أنه "اضطر" للزواج منها حماية لها من الفتنة بعد أن كفر زوجها فلُيبُّس، أخو الملك وتورط في عبادة زيوس، فأصبح لزاماً على الملك هيرودس حامي الإيمان أن يفرِّق بينها وبين زوجها الكافر ويأخذها لنفسها حمايةً لها وللأسرة المالكة برمتها.
ودارت القصة "الحكومية" التي تم توزيعها على كل الصحف القومية هكذا:
بينما كانت هيروديا في زيارة حج إلى أورشليم، قام الحبر الجليل مع الملك هيرودس بإقناعها ألا تعود لزوجها الكافر فِيلُبُّس، حتى أن الحبر الجليل أفتى بتفريقهما بسبب كفر وفسق الأخير الذي شوهِد يدخل هيكل زيوس في روما، كما أن هذا الملك الفاجر الفاسق قد عقد اجتماعاتٍ مع كتاب ومفسرين يهود معروف عنهم تَحَرُّرُهم وكفرُهم ومحبتُهُم للوثنييِّن من اليونانيين والرومان، وقاموا في هذا الاجتماع ببث أفكاراً هدامة من شأنها الإساءة لليهودية وشيوع الكفر والإلحاد وزعزعة نسيج الأمة الواحد.
(أشارت صحيفة يسارية معارضة إلى هذه الاجتماعات وأوضحت أنها كانت تهدف إلى إيجاد فهم لاهوتي معاصر للكتب المقدسة وتبني مزيد من الحرية في تفسير النصوص و مراجعة التفسيرات الحرفية التي اعتبرات الأمم كلاباً و الدعوة إلى علاقات حوار مع الأمم من اليونان والرومان)
وتستكمل القصة الحكومية....
وبالطبع تدخل الملك الرحيم هيرودس بسماحته المعهوده وقرر أن يتزوجها حماية لها وحماية لسمعة الأسرة المالكة التي لوثها فيلبس الكافر الزنديق.
بالطبع هرعت الصحف الحكومية لتمجيد الملك المؤمن هيرودس الذي ضحى وتزوج هيروديا، حتى أن بعض الكتاب "الوطنيين" ذهب به الأمر إلى أنه قَصَّ رؤيا رآها هيرودس، يأمره الله فيها بأن يتخذ هيروديا زوجة له، فما كان من هيرودس إلا أنه أطاع الأمر الإلهي.
هذا بالطبع بالإضافة إلى الكثير من القصص والروايات التي كانت تُطبَع في المطابع الحكومية التابعة لهيئة "قصور" الثقافة و تنشر على نفقة الدولة مثل: "هيرودس وهيروديا. أمل اليهودية" و " توافق الأسرة الملكية.. هيرودس وهيروديا". واستمر اللَّغَط في الشارع اليهودي، فاضطر مولانا غبطة الحبر الجليل، مفتي الديار اليهودية أن يتدخل بوطنية بالغة لإنقاذ البلاد من الفتنة ولتحقيق "الأمن" والاستقرار، فعقد أيضاً مؤتمراً صحفياً أقرَّ فيه بشرعية زواج هيرودس من هيروديا ليتم إغلاق الملف إلى الأبد،  فقد قال الدين كلمته في القضية ولا يملك هيرودس إلا أن يمتثل للفتوى التي جاءت من المتخصصين من أهل الذكر، و"يضطر" للاحتفاظ بهيروديا زوجة له.
نعود للاجتماع الاستراتيجي الذي تم بمعرفة ومباركة، ولكن دونما تورط مباشر، من رجال الحزب وفي هذا الاجتماع تم وضع خطة سرية متدرجة، لتفادي ثورة الشعب، تهدف في النهاية إلى جعل قاعة  الأمم  الكبيرة "مولاً" تجارياً به محال عديدة المفترض أنها لبيع الذبائح للشعب القادم للحج والقيام بخدمة تغيير العملة للحجاج القادمين من بلاد أخرى تستخدم عملات مختلفة. ثم بالتدريج تضاف محال أخرى لبيع مستلزمات الحج المختلفة المستوردة من الشرق، مثل السِبح الكهرمانية والسجاجيد الفارسية  والعطور ومستحضرات التجميل المقدسة التي تجعل من خبرة الحج خبرة "خمس نجوم". ثم في المرحلة التالية تضاف بعض المقاهي الرومانية الحديثة ومطاعم الوجبات السريعة التي تخدم الحجاج القادمين من بلاد بعيدة وليست لهم بيوتاً في أورشليم ليأكلوا فيها.
كما تم الاتفاق على أن يكون هناك امتداداً أو مرحلة ثالثة للمول التجاري تبنى في صورة طابق علوي يتم الربط بينه وبين قاعة الأمم بمصعد ذو جدار شفاف يتيح للمتسوق في المول أن يرى صورة بانورامية للهيكل كله بحيث يستمتع بخبرة التسوق والخبرة الروحية الوَرِعة في آن واحد. وتم الاتفاق على تسويق "مول الحرم" هذا في كل الأمم لكي يأتي الحجيج من بلادهم وهم مستعدون لخوض تلك التجربة المتكاملة، فتم الشروع في إطلاق إعلانات شعارها "مدينة عالمية على أرض يهودية... الدين والدنيا معاً" واتفق الجميع على نسبة توزيع الربح.
وقبل نهاية الاجتماع.. اقتحم المكان فجأة أحد الرجال الذين يرتدون الحلل السوداء والنظارات السوداء ويضعون أشياءّ لا يعرفها أحد في آذانهم، ومال على أحد الحاضرين في الاجتماع مخبراً إياه بأمر يبدو أنه عاجل وخطير....
ثم سرعان ما دخل عدة رجال مماثلون ومال كل واحد منهم على أذن الرجل الخاص به في الاجتماع. وكما يبدو، نقلوا نفس الخبر لكل "الكبار" الموجودين... تكهرب الجو... و انتهى الاجتماع بسرعة فلم يختموه بالصلاة، وهرع كل واحد إلى مكتبه وجيش أعوانه وموظفيه لمحاولة السيطرة على هذا الموقف الخطير الجديد.


الثلاثاء، 16 يوليو 2013

مملكة الله 
المستقبل الحالُّ بيننا 

قِصّة المسيح في صورة روائية 




في هذه المُدوَّنة سوف أبدأ أسبوعياً في إعادة نشر حلقات هذه الرواية بعد المزيد من الضبط التاريخي. كل خميس بإذن الله سوف أنشر حلقة من حلقات الرواية وسوف تخرج للنور في صورة وَرَقِيّة مع بداية العام الجديد إن أحيانا الله 

الجمعة، 21 ديسمبر 2012


الله محبة...وكذلك الإنسان! 
الله واحد. لكنه يعيش منذ الأزل وإلى الأبد في علاقة محبة. قبل أن يخلق الله الإنسان، كان الله ولا يزال في علاقة حب مع نفسه. لم يتعمق العهد القديم (التوارة والمزامير والأنبياء) كثيراً في شخصية الله، أما في العهد الجديد (الأناجيل والرسائل) فقد اقترب الله من الإنسان وبدأ يكشف له عن غنى شخصيته. ومن خلال تعاملات الله مع الإنسان في المسيح والروح القدس، اكتشفنا أن وحدانية الله ليست وحدانية بسيطة صماء ولكنها وحدانية غنية تتمتع بذلك الاتزان العجيب بين وحدة الجوهر وتمايز الأدوار في الشخصية الواحدة. 

الله الآب
الله هو الخالق. أصل الوجود والعلة الأولى لكل الموجودات. الله لم "يكن" ولا "سوف يكون". الله هو "الكائن" دائماً. هذا هو الإسم الذي قاله الله لموسى عندما ظهر له في العليقة المتقدة دون أن تحترق في جبل سيناء. سأل موسى الله عن "اسمه" فلم يقل له اسماً وإنما قال فعلاً: قال الله: " أنا أكون!" الله هو الوحيد "الكائن" بذاته. ولكون الله فوق المخلوقات والزمن وكل شيء فهو مستعصي على الفهم البشري لأن الفهم البشري، بل وكل شيء بشري مرتبط بالزمن وبالأشياء. نحن نعرف بالمقارنة وندرك الأشياء بعلاقتها بغيرها. فكيف لنا أن ندرك من ليس كمثله شيء؟! هذا الجانب غير المُدرَك من شخصية الله كشف عنه العهد الجديد مستخدماً تعبيراً بشرياً ليقربه لنا وهو تعبير "الآب". فالأب هو بداية الأسرة ورأسها، حتى أننا نطلق على الأب في ثقافتنا "رب الأسرة". لذلك اختار الله تعبير "الأب" للإشارة، أيضاً للحب والمسئولية. 



الله الابن 
لم يرد الله أبداً أن يكون منعزلاً عن خليقته غير معروف منها، وإنما أراد أن يعلن نفسه لخليقته العاقلة وهي البشر. وهو لا يريد أن يعلن نفسه فقط من خلال القدرة والخلق ولكن من خلال الكلام والتواصل أيضاً. هنا نرى الجانب الثاني من شخصية الله ــ الله المتكلم والمعلن عن نفسه. هذا الجانب من شخصية الله يسميه العهد الجديد "الكلمة" أو "اللوجوس" ويعني الكلمة العاقلة أي الكلمة التي تعبر عن العقل العام أو المنطق الإلهي. كلمة الله وعقله واحد. وعقل الله وجوهره واحد. فلا يوجد صراع في الله. الصراع فينا نحن البشر الناقصون، فيكون هناك أحياناً اختلاف بين كلامنا و أفكارنا، فكلمتنا ليست هي نحن، وعقلنا أحياناً لا يعبر عنّا تماماً. أما الله فهو وكلمته وعقله شيء واحد. هذه الكلمة الإلهية ألقاها الله في رحم امرأة عذراء في الزمان والمكان ليتجسد عقل الله بشراً سوياً هو يسوع المسيح. لذلك فإن المسيح هو الله في الجسد.
كلمة الله المتجسد بشراً هو الله الظاهر في الجسد. وهو قمّة تواصل الله مع الإنسان، فلم تعد كلمة الله مجرد أفكار ينقلها الأنبياء، بل صار الكلمة جسداً وحل بيننا. وعرفنا أنه ليس كسائر البشر. لأننا رأينا مجده واختلافه عن الجميع. فلم يدخل للعالم كما دخل أي إنسان، ولم يخرج منه كما خرج و يخرج كل البشر. 
وكما عبر الإنجيل عن الله كمصدر للوجود مستخدماً تعبير الله الآب، فقد عبر أيضاً عن الله كإله قريب ومتكلم باستخدام تعبير الله الابن. في العلاقات الأسرية الابن هو الذي يعلن عن أبيه ويحمل اسمه وشبهه، فمن رأى الابن كأنه رأى الآب. وبذلك يكون الابن أفضل تصوير للآب وكلمة الله أبلغ تعبير عنه. بالطبع عندما نقول "ابن الله" نحن لا نعني أن ابن الله مولود من الله ولادة جسدية كولادة البشر، لكنها ولادة روحية، كولادة الكلمة من قائلها وبزوغ الإعلان من المُعلِن. 


الله الروح القدس 
ولكي يظل التواصل دائماً ولا يقتصر على من عاصروا المسيح بالجسد منذ ألفي سنة، كشف الله عن الجانب الثالث من شخصيته الفريدة. فلم يقف تواصل الله مع البشر عند حد التجسد بشراً في الزمان والمكان، بل زاد التواصل حميمية، بأن يرسل الله روحه ليحتوي ويهيمن على الإنسان المؤمن ويتحد به بصورة روحية و شخصية إلى الأبد.
بعد أن قام المسيح من الأموات ظل يظهر لتلاميذه نحو أربعين يوماً وكان يظهر بينهم فجأة والأبواب مغلقة، ثم يختفي فجأة. ثم بينما هم يتكلمون ، يشعرون بحضوره دون أن يروه، ثم يرونه، ثم بعد ذلك يختفي عن عيونهم مرة أخرى. لقد أراد أن يدربهم على إدراك حضوره معهم حتى وإن لم يروه بأعينهم. ويؤكد لهم أنه سوف يستمر في أن يكون معهم ومع من يؤمنون به بكلامهم إلى الأبد. 
هنا أعلن الله عن جانب ثالث في شخصيته. هذا الجانب يسميه العهد الجديد "الروح القدس" . "الروح" كلمة مشتقة من "الريح". الريح حاضرة دائماً حولنا، ونشعر بها دون أن نراها. وهي أيضاً تدخل في كل إنسان عندما يتنفس، وتصير حية فيه بل مصدر حياته. هكذا الروح القدس. الرب الحيّ والمُحيي، يُنشئ فينا الحياة الروحية الجديدة ويجددها باستمرار. لذلك فالله الروح القدس هو الذي يكلمنا ويكشف عن أذهاننا ويلهمنا. كما أنه يطمئننا ويشهد لنا عن حبه وعن قيمتنا فيه. وهذا هو محور الحياة الروحية المسيحية. 






الله محبة 
للتعبير عن كل من الوحدانية والتمايز في شخصية الله الغنية، قدم يوحنا الدمشقي وهو لاهوتي يوناني عاش في القرن السابع مفهوماً يسمى Peri-choresis وهذه كلمة يونانية تستحق أن تدرس لأنها تعبر عن شخص الله بصورة جميلة محببة للنفس. المقطع الأول منها Peri معناه "حول" والمقطع الثاني Choresis و معناه "يرقص" كما في الباليه. والمعنى المقصود أن الثالوث هو ثلاثة أشخاص متشابكي الأيدي لا يمكن انفصالهم أبداً. فوحدانية الله ليست وحدانية شخص وحيد منفرد بذاته، ولكنها وحدانية مجتمع من كيانات متساوية يحبون بعضهم بعضاً ويعيشون معاً في انسجام واتساق تام. 

الإنسان الصحيح أيضاً محبة 
الإنسان ليس فقط مخلوق للمحبة ، بل لكونه مخلوق على صورة الله، فهو أيضاً مدعو لأن يعيش في علاقة محبة بين كيانات متعددة داخل جوهره الإنساني الواحد. فهناك شخصية "الطفل". فالطفل ليس مجرد حقبة زمنية مر بها الإنسان في تطوره، ولكن الطفل كيان يستمر بداخل الإنسان طوال عمره. الطفل هو الكيان التلقائي القادر على الحب واللعب والاستمتاع، وهو الكيان الذي يشعر بالمشاعر والاحتياجات ويعبرعنها ببساطة. هو الكيان المُبدِع والمبتكر، وهو الكيان البسيط التلقائي القادر على الإيمان والثقة دونما الحاجة دائماً إلى إثبات. هذا الكيان يكون في الصدارة في مرحلة الطفولة، لكنه يظل بداخلنا طوال العمر وينشط في مواقف اللهو والاستمتاع و أثناء الإحساس بالعجز و اختبار المشاعر القوية و أيضاً أثناء حالاات الإبداع و حالات الإيمان والروحانية. 
ثم يأتي "الراشد" وهو الكيان الذي يستطيع أن يدرك الواقع ويتعامل معه ضابطاً التوازنات الصعبة في الحياة. يزن بين اللعب والعمل، وبين الأخذ والعطاء وبين الصمت والكلام وغيرها من توازنات الحياة والعلاقات. يظل الراشد كامناً داخل الطفل حتى يأتي السن المناسب لكي يظهر، مثلما يكون جنين الشجرة كامناً في الحبة الصغيرة ولكنه يظهر عندما تُزرع الحبة في الأرض وتنمو. 
عندما يصل الراشد لسن الرشد المتوسط (40- 60 سنة) ، تبدأ شخصية ثالثة في الظهور و هي شخصية "الوالد" الذي يميل للعطاء أكثر من الأخذ و يشعر بسعادة في التضحية بكل شيء من أجل أولاده وبناته. ليس الذين أنجبهم من صلبه فحسب، ولكنه يشعر بالرغبة في العطاء والرعاية للجيل الأصغر عموماً. 
لا يؤدي ظهور شخصية الراشد إلى اختفاء شخصية الطفل، ولا تمحو شخصية الوالد شخصية كل من الطفل والراشد، وإنما يظل الثلاثة معاً كثلاث شخصيات يلعبها ممثل واحد في مسرحية "مونودراما" عندما يأتي المشهد الخاص بإحدى الشخصيات، فإنها تخرج إلى خشبة المسرح، بينما تظل الشخصيتان الأخرتان كامنتين فيه في نفس الوقت، وكأنهما في كواليس المسرح مستعدتين للخروج عندما ياتي المشهد الخاص بكل شخصية. كل هذا ويظل الممثل شخص واحد له جوهر واحد. 
تخيل معي مثلاً مجموعة من الرجال الراشدين يلعبون الكرة أو حتى يشاهدون مباراة في كرة القدم. في الحال ينتقلون جميعاً إلى شخصية الطفل. مهما كانت أعمارهم وشخصياتهم ومناصبهم ومسئولياتهم، كل هذا يذهب إلى الخلفية ويظهر الطفل في المقدمة. كل ما يفكرون فيه هو كيف تدخل الكرة إلى المرمى! قد يتذكر واحد منهم فجأة أن ساعة العمل قد حانت، فيعود الطفل إلى خلفية الصورة بسرعة، ويظهر الراشد (الذي كان موجوداً دائماً) في المقدمة ويبدأ في التفكير في الخروج من المباراة للذهاب لعمله. ذلك دون أن ينكر الطفل الذي فيه وحقه في اللعب، ولكنه يؤجله لوقت لاحق. ربما أثناء اللعب يُصاب أحد اللاعبين. في تلك اللحظة تصبح المباراة ونتيجتها أموراً ثانوية، حتى العمل ومسئوليات الراشد تصبح أقل أهمية، فالمهمة هنا هو رعاية المصاب حتى يشفى. هذه هي شخصية الوالد. 
في للإنسان الذي يتمتع بصحة نفسية وعلاقة جيدة بنفسه، تظل شخصيات الطفل والراشد و الوالد تعمل معاً في سهولة وانسجام. فالإنسان قبل أن يكون في علاقة سلام خارجية مع البشر الآخرين، يجب أن يكون أولاً في علاقة حب داخلية مع نفسه وهو في ذلك شبيه بالله الذي قبل أن يخلق الإنسان بالحب، عاش ويعيش إلى الأبد في حالة حب داخلية مع نفسه. 

الله يعرفنا نفسه أيضاً من خلال الحب 
لقد اختار الله أن يعلن عن نفسه لنا من خلال الحب والعلاقة وليس من خلال القوة والعمل. فيقول القديس أثناسيوس الرسولي قولته المشهورة: " إنه يكون أكثر تقوى أن نتعرف على الله من خلال الابن وندعوه "الآب" عن أن نتعرف عليه من خلال أعماله فقط وندعوه "غير المخلوق" وإن كنا نتكلم عن العلاقة الداخلية التي لله بنفسه والعلاقة الداخلية التي للإنسان أيضاً، فإن الله من خلال التجسد، يدعونا للاشتراك في علاقته بنفسه. أي أنه يدعونا للدخول في الشركة التي بين الآب والإبن والروح القدس. فيقول توماس ف. توارنس في كتابه الإيمان بالثالوث 
تجسد الابن قد فتح الطريق إلى معرفة الله وفقاً لما هو في ذاته. ففي التجسد، أخذ ابن الله طبيعتنا البشرية لنفسه وجعلها خاصة به تماماً حتى أنه جاء بيننا "كإنسان". وبواسطة وجوده بيننا "كإنسان" كشف لنا عن نفسه "كإله". وبمعنى آخر، فإنه- دون أن يتخلى عن طبيعته الإلهية- اتحد بنا في طبيعتنا البشرية بشكل تام كامل. 
هكذا نرى أن الله علاقة، والإنسان علاقة، ومعرفة الله بالإنسان هي أيضاً علاقة. ليست نقل أفكار أو إبهار بالقوة، وإنما علاقة مشاركة فعالة، فيها اشترك الله في إنسانيتنا لكي يشركنا في لاهوته، ويدخلنا إلى عمق العلاقة بين الآب والإبن والروح القدس. أي إلى عمق علاقته بنفسه. 
«وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكلاَمِهِمْ لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ. أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ وَهَؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي. وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ». (يوحنا 17: 20- 26)

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012

في السادس من فبراير 2011 قبل تنحي مبارك بخمسة أيام كتبت هذا الكلام ونلت بسببه شتائم كثيرة. أحب أن أشارك به اليوم لاؤكد إني مازلت أحلم باليوم الذي يتخذ فيه الإخوان هذه النقلة التطورية التي سوف تجعلهم يعيشون ويبقون كفصيل سياسي ديني مصري.



ستمعت لتوي لكلمة من د. أحمد عكاشة (الذي أحترمه جداً وأحترم شجاعته وآراءه السياسية) وهو يقول كما يقول كثيرون، أن المصريين تغيروا وأن المصريين بعد 25 يناير ليسوا كالمصريين قبله. وأحييه أيضاً أنه شدد على أن هذه الحركة لا يمكن أن  تسمى إلا ثورة وهي أول ثورة حقيقية في تاريخ مصر وأول صورة يصنعها الانترنت. 

انطلاقاً من هذا التصور للمصريين قبل 25 يناير وبعد 25 يناير ا أريد أن اقول..... الكل تغير. الكل تغير وسيستمر في التغيير وسوف تجدون مصراً جديدة تخرج من رحم الثورة

الأحزاب والسياسيونانا أرفض مقولة أن الأحزاب يجب أن يكونوا خارجاً عن الثورة وأنهم يريدون أن يتسلقوا عليها ويسلخون الدب قبل قتله ويريدون قطعة من التورتة وكل هذا الكلام، فهم جزء من نسيج الوطن ومن مؤسساته و من حقهم أن يشاركوا مثل كل المصريين. أرفض أيضاً المقولة التي تقول أنهم تربوا بين أحضان النظام لثلاثين سنة فلا يمكن أن يتفهموا الثورة. أنا أريد أن أقول أن هذه الثورة مثل نار ممحصة تحرق شوائبنا التي تكونت فوقنا ليس فقط لثلاثين سنة بل لمئات السنين. بالأمس وأنا اتمشى في ميدان التحرير تطلعت متأملاً تمثال السيد عمر مكرم قائد ثورة القاهرة الأولى والثانية ضد الحملة الفرنسية وتذكرت.. ربما ثورة يناير 2011 هي أول ثورة مصرية ضد حاكم مصري. كل الثورات السابقة من ثورة القاهرة 1798 مروراً بثورة عرابي 1881 التي كانت موجهة ضد حاكم مصر  (الخديو توفيق)، لكنه لم يكن حاكماً مصرياً، ثم ثورة 1919 و 1952 التي كانتا تحت ظل الاحتلال الانجليزي وأسرة محمد علي الألبانية. 
Picture
الشعب المصري مثل النيل. هادئ وصابر ومستقر. إنه ليس مثل البحر الهائج المضطرم  لكن لا تستهن بثورة النيل حين يفيض ويفيض به الكيل.  ثورة الجمل حين ينوء بالحمل. هذه الثورة كما نقتنا كلنا أرى أنها سوف تنقي الأحزاب وتعيد إليهم وطنيتهم وكأنها تحرق ذواتاً مزيفة أنانية نفعية وخانعة ترضى بالفتات التي تلقي به السلطة  وتعقد صفقات معها. إن الثورة بوتقة تنقينا كلنا وتعيد إلينا بريق معدننا الأصلي. أما من أصبح أغلبه صدأ ووصل الفساد إلى عمقه وجوهره فإن الثورة تفرزه وتتجاوزه.

ربما حتى أكون متجاوزاً قليلاً في التفاؤل حين أستشعر أن الثورة تنقي حسني مبارك نفسه. ذلك الرجل الوطني الذي حارب في 73 وكان في بداية حكمه طاهراً نقياً إلا أن طول مدة الحكم  والمكاسب المادية الكثيرة أفسدته. فربما الآن تنقي الثورة فيه قليلاً مما أفسدته الثروة ويغسل فيضان النيل الثائر دنس السلطان الطويل الجائر. 
الإخوان
سمعت أحد المتظاهرين من الإخوان  يقول  في التلفزيون في انفعال شديد: " لم أكن أتخيل أنني في يوم من الأيام سوف أحتضن مسيحياً يرتدي الصليب" الإخوان طائفة من الشعب المصري نشات ونشأ فقهها خلال السبعين سنة الماضية التي عشنا فيها في قمع وسلطة عسكرية سواء من الإنجليز أو من القصر أو من ثورة يوليو، فوجد هذا الفقه من المصريين آذاناً سامعة فاصبحوا على ما اصبحوا عليه. أتوقع أن الإخوان ايضاً سوف يتغيرو ويتطهر منهم كثيرون بنيران الثورة وسيتخلى الكثيرون منهم عن  العنف وعن أحلام الخلافة والدولة الأحادية والكراهية لمن سواهم ويراجعوا (كما راجعت جماعات الجهاد) فقههم وربما يتحولوا لحزب إسلامي معتدل مثل حزب العدالة والتنمية في تركيا (الذي ربما يكون حزب الوسط نموذجاً له) ويرتضوا أن ينخرطوا في طيف الحياة السياسية كغيرهم من الأحزاب والاتجاهات التي تهدف خير الوطن. بالطبع سوف يكون هناك من بلغ الصدأ  أعماق قلوبهم  وتخللت الكراهية إلى جوهرهم أظن أيضاً أن التاريخ والثورة والشعب سوف يتجاوزوا هؤلاء جميعاً فيصبحون خارج السياق تماماً يسببون لنا مشاكل ولكن أبداً لا يهدمون ما بنيناه. 

المسيحيون
المسيحيون أيضاً يتغيرون وسيتغيرون. إن كانت الذات المزيفة للسياسيين هي الانتهازية والوصولية وتلك التي تغلف كيان الإخوان المسلمين هي العنف ونفي الآخر، فالذات المزيفة التي تغلف المسيحيين هي السلبية والخوف. هذا يتغير وسوف يتغير أكثر. سوف يكتشف المسيحيون أن ملح الأرض يجب أن يكون في الأرض وليس في برطمانات من الكريستال على مقاعد الكنائس حول الأيقونات والبخور وترانيم الإنجيليين، وأن نور العالم لا ينبغي أن يختبئ  تحت المكيال لئلا تطفأه الرياح فيطفؤه غياب الأكسجين. أقول للمسيحيين، وأنا هنا أتكلم بجرأة أكبر لأني منهم، لا تستعجبوا أن ظن الآخرون أنكم تضاجعون النساء في الكنائس وشربون الخمور وتخبأون الأسلحة في الأديرة فأنتم منذ آلاف السنين سر مكنون ولغز مدفون. تصلون بلغة لا يفهمها أحد. وحتى إذا تكلمتم بالعربية فلا يفهمكم أحد. الأرثوذكس منكم متهمون بالانعزال  والعمالة للنظام الحاكم والبروتستانت منكم متهمون بالعمالة والانتماء للغرب. الثورة سوف تغيركم وتخرج بكم إلى الشارع حيث كان سيدكم دائماً. لقد كنا نصلي من أجل شعبنا ومن أجل الفقر والفساد ولكي يقع الحاجز الذي بيننا وبين أهلنا وها هو يقع وسيقع من داخل قلب الكثير من المسيحيين لكن أيضاً  يوجد من وصل الصدأ إلى أعماق قلوبهم. هؤلاء سوف يتحولون إلى أيقونات فريسية في الكنائس ويسوف يتجاوزهم التاريخ وتتجاوزهم الثورة وليس ذلك فقط بل سوف يتجاوزهم أيضاً ملكوت الله ويسبقهم إليه أناس لم يتصوروا في يوم  من الأيام أن يكون هؤلاء من بني الملكوت.