الخميس، 18 يوليو 2013


1
مملكة الله

مملكة الله. تلك العبارة المشحونة بالمشاعر والمعاني المغلقة على الفهم، تجعل الصور تتراقص في خيال السامعين للراهب الثائر يوحنا المعمدان وهو يصرخ: "توبوا لأنه قد اقتربت مملكة الله." صورٌ مبهجةٌ تدور في خيال السامعين.. راياتٌ زاهيةُ الألوان تخفق تحت رؤوسٍ تملؤها العزيمة والتصميم. جيوشٌ بَرَّاقَة، تلمع فيها تحت أشعّة الشمس، حدودُ السيوفِ المسنونة والخوذات النحاسية والنياشين الذهبية للضباط والقادة. الهيكلُ على مرتفعٍ عالٍ وسط المدينة المُقَدَّسَة، أورشليم وفي قلب حياتها الدينية والاجتماعية. بناءٌ شامخٌ، مفخرة الشعب الساكن في الأراضي المقدسة والمتناثر في كل أنحاء العالم. يقتطعون من قوت عيالهم لكي يحجوا إليه كل سنة.  ذلك الحلم بالمملكة  اليهودية، التي يأتيها الزوار المبهورون من المشرق والمغرب. رُسلٌ من كل أمةٍ وشعبٍ، شُقرٌ ناصعون،  وسود لامعون، وصفرٌ قادمون من أقصى الشرق يترضون وجه ملكِ كل الأرض بهدايا من بلادِهم. كلُ خيرات الأمم تتدافع إلى أورشليم، وشعبُها يعبدُ الإله الواحد الذي تنحني أمامه كل الأصنام.
بينما كان تعليم المعمدان يشكل رأس الحربة في الحراك الدينيّ الحادث، كانت رياحُ التغييرِ تلعب في اليهودية والجليل، وكان الحراكُ الاجتماعيّ والاقتصادي يتصاعد. الجميع يشعرون بالترقب المشوب بالحذر والخوف وبعض اليأس من التغيير. هيرودسُ الكبير مات، و بعد وفاته انقسَمَت فلسطينُ بين أرخيلاوس الوالي على اليهودية، و هيرودس أنتيباس على الجليل وفيلبس أخاه على قيصرية، التي سُمِّيَت باسمه، وأصبحت تُدعَى: "قيصرية فيلبس".  ميليشيات "الغيورين" تَتَدَرَّبُ في أماكنَ صحراوية نائية لتبقى متأهبةً على هامش الحياة السياسية، منتظرة اللحظة التي يضعُف فيها الحكم، للدرجة التي تجعلها قادرة على الوثوب عليه، مثل البكتريا التي تعيش في الأمعاء وعلى سطح الجلد منتظرة ومتمنية اللحظة التي تضعف فيها مناعة الجسم المترهل المثقل بالهموم والديون والفساد.
ولعل المثل الصارخ للفساد كان هيرودس أنتيباس. حاكمُ الجليلِ الذي جَمَعَ حوله ثُلَّةً من التجار والعشارين الفاسدين، الذين يمتصون دماء الشعب، ويلقون له بفتات من "فُرص العمل" ووعود الاستثمار الذي لا تذهبُ ثمارُهُ إلا إلى فِئة الواحدِ بالمائةِ من الشعب، بينما الباقون يزدادون فقراً، وكلما عَلَت بعضُ أصواتِ المعارضة لفضح الفساد، وارتفاع الهوة بين الأغنياء والفقراء، كان الردُ سريعاً بتقاريرَ وإحصاءاتٍ كلها تشير إلى النمو الاقتصادي الذي حققته الحكومة خلال السنوات الأخيرة وكيف ارتفع "متوسط" دخل الفرد في الجليل،  وكيف زاد مُتَوَسِّط إنفاق الفرد، بينما الحقيقة أن هذا الإنسان "المتوسط" ليس سوى إنساناً افتراضياً غير موجود سوى في أوراقهم. إنه المتوسط الحسابي بين الغِنَى الفاحِش والفقر المدقع الذي يعاني منه شعب الجليل. وهكذا يستمر "التعاون" بين رجال السلطة ورجال المال مع رجال الاقتصاد والإعلام، مكونَيْن "لُوبي" منيع لا تخترقه أحلام التغيير.
تذهبُ "الكاميراً" بعيداً. تخرُجُ تدريجياً  خارج "كردون" المدينة الأخطبوطية المترهلة ــــ أورشليم، التي تترامى أطرافها بدون تخطيط، وبضعف شديد في البنية التحتية، والقدرة على الإدارة. تعبر الكاميرا "الطريق الدائري" الذي يصِلُ أورشليمَ بأريحا. وهو طريق متهالك رغم حداثته، وحالك الظلام، حيث تضاء مصابيحه في النهار وتطفئ ليلاً. ربما كان هذا هو السبب الذي يجعل الكثير من حوادث التحرش والاغتصاب والسرقة بالإكراه تحدث، ومن هذه القصص تلك القصة الشهيرة التي تناقلها المجتمع عن ذلك السامريّ "الصالح" الذي أنقَذَ يهودياً هجم عليه اللصوص في هذا الطريق.
تتحرك الكاميرا إلى الغرب قليلاً لتجد مجموعة من اليهود الأتقياء الذين يعيشون في الكهوف المنتشرة في صحراء اليهودية. يُصَلّون طوال النهار والليل قائمين مبتهلين. كانت هذه المجموعات المسماة بالقيروانيين أو الآسينيين، تصلي منتظرة حلول ملكوت السموات وسيادة العدل الكامل والبر الذي لا تشوبه شائب. عندما يختفي الفقر والمرض و الخطية وينتشر الإيمان الصحيح وذلك عندما يأتي المسيّا بقوةٍ، وسلطانٍ إلهيين ليفعلَ  كل شيء وهم يُشاهِدون ويُمَجِّدون الله.
لقطة بانورامية للهيكل.. اليوم عيد الفصح. نهاية مناسك الحج إلى الهيكل في أورشليم. مئات من البسطاء يسيرون بإعياء، طريقاً طويلاً صاعداً للهيكل. فقراءٌ اقتطعوا من قوتهم اليومي ثمناً لذبائح متواضعة مثلهم من الحمام واليمام، يرجون بها أن يتقبل الله صلاتهم ويغفر ذنوبهم. بعضهم جاءوا من بلادٍ بعيدة يحملون جوازات سفرهم، وبها تلك التأشيرة الغالية للأراضي المقدسة التي دفعوا فيها ربما كل ما يملكون. بعضُهم جاء بالقُرعة الحكومية في وسائل نقل أقل من الآدمية، "استُشهِدَ" فيها السنة الماضية الآلاف غرقاً في البحر على ظهر سفينة يملكها أحد رجال الثقة المقربين من الحكم الهيرودسي في الجليل والذي قد فَرَّ بالطبع دون عقاب منتظراً أن ينسى الناس الذين لا يجيدون شيئاً سوى النسيان، ثم يأتي حكم البراءة بعد سنواتٍ كخبرٍ صغيرٍ في الجريدة الحكومية لا يقرأه أحد. بعضهم وضعوا كل مُدَّخرات شيخوختهم آملين أن يموتوا ويدفنوا في أطهر بقاع الأرض، أو حتى يموتوا دونها. وإن عاشوا فثمّة رحلة واحدة سنوياً إلى الهيكل في أورشليم تضمن لهم غفران الخطايا والبداية من جديد.
تصعد الكاميرا وتسبق جموع الحجيج. تتزايد سحب البخور وتتضح تدريجياً أصواتِ التراتيل الدينية بلغة عبرانية غريبة لم يعد يستخدمها الشعب الذي  أصبح يتكلم الآرامية في معاملات حياته اليومية. تتسلل الكاميرا الخبيثة خلف أحد أعمدة الهيكل في القُدس الذي يتمتع بدرجة من الظلام حتى في منتصف النهار، تكون كافية لأن تحدثَ فيه أحداث بعيدة عن عيون الصحافةِ التي أصبحت متربصةً بالجميع. 
من هذا؟  إنه أحد كبار تجار أورشليم. ملابِسَهُ الحريريةُ تكشف حالته الاقتصادية المختلفة عن أغلب السائرين حوله في جماعاتٍ تتفرقُ وتتجمع، بينما يقومُ الجميع بمناسِك الحج.  أما هو، فلماذا يتحرك بسرعةٍ متسللاً خلف هذا العامود؟
ما الذي يُخرِجَهُ من حزامهِ المصنوع من الحرير "السادة" والذي يلف به ثوبه الحريري الفضفاض المنقوش بنقشةٍ لا تنسج إلا في بلاد الهند البعيدة مما يجعله غالي الثمن جداً. هزّ الكيس قليلاً في فخر، فَهَمَست رنةٌ مكتومةٌ لعملاتٍ ذهبية تكدست داخل الكيس حتى لا يكون كبير الحجم فيلفت النظر. يمد به يده بخوف وتردد . تخرج من الظلام يد متمرسة وفي حركة خاطفة بارعة تلتقط الكيس. تقتحم الكاميرا الظلام لترى من صاحب اليد التي خرجت من الظلام وتكون المفاجأة. إنه مولانا نيافة الحبر الجليل شيخ الهيكل. بسرعة تحركت خطوات صاحب النيافة بخفة وسرعة غير مُتَمَشِّيَةٍ مع سنواتِ عمره السبعين والتي تشى بها لحيته التي احتَلَّها المشيب تماماً، وفي حركة واحدة أخفى كيس الذهب في ملابسه السوداء الفضفاضة التي تصدر مع خطواته السريعة حفيفاً مسموعاً يشبه ضربات أجنحة الخفافيش التي تعيش في الكهوف المظلمة أثناء النهار.
 توارى مولانا خلف الأعمدة الكثيرة. وانسحب التاجر ليخرج بسرعة من القدس الذي لا يحلُّ دخولُه إلا للكهنة، ويختفي وسط زحام الحجيج متوجهاً لقاعة الأمم.
قاعة الأمم هي إحدى قاعات الهيكل، كانت في التصميم الأساسيّ مُخَصَّصَةً للضيوفِ من الأمم الوثنيين الذين كانوا يسمعون من اليهود المقيمين في بلادهم عن الإله الواحد فيأتون معهم لحضور مناسك عبادة هذا الأله حتى أن بعضهم يقرر الانتماء له وعبادته.  لذلك فقد كان في تصميم الهيكل مكاناً لغير اليهود للمشاركة في العبادة. وذلك لكي يكون الهيكل بيت صلاة لكل الشعوب وليس للشعب اليهودي وحده. فقد كانت مسئولية الشعب اليهودي ليست فقط أن يكون فقط "خير أمة أخرجت للناس" وإنما أن يكون نوراً لباقي الأمم. و مع الوقت ضَعُفَ الاهتمام بهذه القاعة وكان هذا يعكس كراهية اليهود للأمم،  حيث اعتبروهم كلاباً وأقل من البشر، فظلت هذه القاعة خالية مهجورة لقرون عديدة، حتى جاءت الحكومة الحالية بأحلامها وبرامجها الاستثمارية.
ويُروَى أنه في أحد اجتماعات مجلس الوزراء، تساءل وزير "الاستثمار" بجرأة يتمتع بها ذلك الجيل الجديد من قادة الحزب: "لماذا تظل هذه القاعة هكذا خالية، طالما لا يجرؤ أي إنسان من الأمم أن يطأها بقدمه؟" عندئذٍ نَظَرَ أفراد الحرسُ القديم بعضهم لبعض مندهشين لجرأة هذا الوزير الجديد الذي يتنمي لطبقة رجال الأعمال والذي لم يمارس السياسة مطلقاً قبل التحاقه بالحكومة، لذلك لم يكن يفكر إلا بمنطق الربح والخسارة ولم يكن يدر أن هناك مناطق محظورة لا ينبغي الكلام عنها مطلقاً. مضى الوزير الشاب يواصل حديثه ولم يستطع أحد مقاطعته فهو صديق عزيز لابن الملك الذي يعّدونه للخلافة.
-        لماذا لا نستغلها لإقامة مشروع استثماري يديره بعض من رجال الأعمال الوطنيين، ويوفر فرص عمل للشعب "المكافح"؟ . لم يفته أن يستخدم بعض من العبارات السياسية المعروفة التي لم يكن في واقع الأمر يؤمن بها.
لم يعلّق أحد بالقبول أو الرفض فقد كانوا لا يريدون الدخول في مشاريع جديدة بعد ما حدث في بُرج سلوام. الذي بسبب "التوفير" في أساسته من الأسمنت والحديد المغشوش، والذي يحتكر صناعته عضو بارز آخر في الحزب الحاكم، سقط على سكانه وقتل ثمانية عشر منهم. فعقد الشيخ الكبير يومها "مؤتمراً صحفياً" دعا إليه كل مندوبي الصحف ووكالات الأنباء المحلية والأجنبية ليصرّح فيه بأن المصيبة التي حدثت، كانت عقاباً من الله، فهؤلاء الثمانية عشر بالذات كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم في ذلك الوقت. حيث أنهم كانوا يُفرِّطون في الصلاة وكانت نساءهم سافرات متبرجات فأنزل الله بهم هذا العقاب.
هذه مجرد عينة من التعاون المستمر بين رجال المال والتجارة الذين يشكلون الرأسمالية الوطنية اليهودية ورجال الدين، حماة الهيكل والشريعة ومصدر الإفتاء والمشورة الدينية. وهذا بالطبع يعيد للأذهان القضية التي شغلت الرأي العام اليهودي لشهور عديدة ، وهي قضية زواج الملك هيرودس أنتيباس الحاكم في الجليل من هيروديا امرأة أخيه فيلبس حاكم قيصرية. وقتها ثار جدلُ شديد، وكتبت كل صحف المعارضة عن الزواج وكيف أن هيرودس كان في علاقة عاطفية مع هيروديا حتى أثناء حياة فيلبس.
في نفس الوقت كانت صُحُف الحكومة تفرد المقالات الطويلة التي توضح فيها سماحة هيرودس وكيف أنه "اضطر" للزواج منها حماية لها من الفتنة بعد أن كفر زوجها فلُيبُّس، أخو الملك وتورط في عبادة زيوس، فأصبح لزاماً على الملك هيرودس حامي الإيمان أن يفرِّق بينها وبين زوجها الكافر ويأخذها لنفسها حمايةً لها وللأسرة المالكة برمتها.
ودارت القصة "الحكومية" التي تم توزيعها على كل الصحف القومية هكذا:
بينما كانت هيروديا في زيارة حج إلى أورشليم، قام الحبر الجليل مع الملك هيرودس بإقناعها ألا تعود لزوجها الكافر فِيلُبُّس، حتى أن الحبر الجليل أفتى بتفريقهما بسبب كفر وفسق الأخير الذي شوهِد يدخل هيكل زيوس في روما، كما أن هذا الملك الفاجر الفاسق قد عقد اجتماعاتٍ مع كتاب ومفسرين يهود معروف عنهم تَحَرُّرُهم وكفرُهم ومحبتُهُم للوثنييِّن من اليونانيين والرومان، وقاموا في هذا الاجتماع ببث أفكاراً هدامة من شأنها الإساءة لليهودية وشيوع الكفر والإلحاد وزعزعة نسيج الأمة الواحد.
(أشارت صحيفة يسارية معارضة إلى هذه الاجتماعات وأوضحت أنها كانت تهدف إلى إيجاد فهم لاهوتي معاصر للكتب المقدسة وتبني مزيد من الحرية في تفسير النصوص و مراجعة التفسيرات الحرفية التي اعتبرات الأمم كلاباً و الدعوة إلى علاقات حوار مع الأمم من اليونان والرومان)
وتستكمل القصة الحكومية....
وبالطبع تدخل الملك الرحيم هيرودس بسماحته المعهوده وقرر أن يتزوجها حماية لها وحماية لسمعة الأسرة المالكة التي لوثها فيلبس الكافر الزنديق.
بالطبع هرعت الصحف الحكومية لتمجيد الملك المؤمن هيرودس الذي ضحى وتزوج هيروديا، حتى أن بعض الكتاب "الوطنيين" ذهب به الأمر إلى أنه قَصَّ رؤيا رآها هيرودس، يأمره الله فيها بأن يتخذ هيروديا زوجة له، فما كان من هيرودس إلا أنه أطاع الأمر الإلهي.
هذا بالطبع بالإضافة إلى الكثير من القصص والروايات التي كانت تُطبَع في المطابع الحكومية التابعة لهيئة "قصور" الثقافة و تنشر على نفقة الدولة مثل: "هيرودس وهيروديا. أمل اليهودية" و " توافق الأسرة الملكية.. هيرودس وهيروديا". واستمر اللَّغَط في الشارع اليهودي، فاضطر مولانا غبطة الحبر الجليل، مفتي الديار اليهودية أن يتدخل بوطنية بالغة لإنقاذ البلاد من الفتنة ولتحقيق "الأمن" والاستقرار، فعقد أيضاً مؤتمراً صحفياً أقرَّ فيه بشرعية زواج هيرودس من هيروديا ليتم إغلاق الملف إلى الأبد،  فقد قال الدين كلمته في القضية ولا يملك هيرودس إلا أن يمتثل للفتوى التي جاءت من المتخصصين من أهل الذكر، و"يضطر" للاحتفاظ بهيروديا زوجة له.
نعود للاجتماع الاستراتيجي الذي تم بمعرفة ومباركة، ولكن دونما تورط مباشر، من رجال الحزب وفي هذا الاجتماع تم وضع خطة سرية متدرجة، لتفادي ثورة الشعب، تهدف في النهاية إلى جعل قاعة  الأمم  الكبيرة "مولاً" تجارياً به محال عديدة المفترض أنها لبيع الذبائح للشعب القادم للحج والقيام بخدمة تغيير العملة للحجاج القادمين من بلاد أخرى تستخدم عملات مختلفة. ثم بالتدريج تضاف محال أخرى لبيع مستلزمات الحج المختلفة المستوردة من الشرق، مثل السِبح الكهرمانية والسجاجيد الفارسية  والعطور ومستحضرات التجميل المقدسة التي تجعل من خبرة الحج خبرة "خمس نجوم". ثم في المرحلة التالية تضاف بعض المقاهي الرومانية الحديثة ومطاعم الوجبات السريعة التي تخدم الحجاج القادمين من بلاد بعيدة وليست لهم بيوتاً في أورشليم ليأكلوا فيها.
كما تم الاتفاق على أن يكون هناك امتداداً أو مرحلة ثالثة للمول التجاري تبنى في صورة طابق علوي يتم الربط بينه وبين قاعة الأمم بمصعد ذو جدار شفاف يتيح للمتسوق في المول أن يرى صورة بانورامية للهيكل كله بحيث يستمتع بخبرة التسوق والخبرة الروحية الوَرِعة في آن واحد. وتم الاتفاق على تسويق "مول الحرم" هذا في كل الأمم لكي يأتي الحجيج من بلادهم وهم مستعدون لخوض تلك التجربة المتكاملة، فتم الشروع في إطلاق إعلانات شعارها "مدينة عالمية على أرض يهودية... الدين والدنيا معاً" واتفق الجميع على نسبة توزيع الربح.
وقبل نهاية الاجتماع.. اقتحم المكان فجأة أحد الرجال الذين يرتدون الحلل السوداء والنظارات السوداء ويضعون أشياءّ لا يعرفها أحد في آذانهم، ومال على أحد الحاضرين في الاجتماع مخبراً إياه بأمر يبدو أنه عاجل وخطير....
ثم سرعان ما دخل عدة رجال مماثلون ومال كل واحد منهم على أذن الرجل الخاص به في الاجتماع. وكما يبدو، نقلوا نفس الخبر لكل "الكبار" الموجودين... تكهرب الجو... و انتهى الاجتماع بسرعة فلم يختموه بالصلاة، وهرع كل واحد إلى مكتبه وجيش أعوانه وموظفيه لمحاولة السيطرة على هذا الموقف الخطير الجديد.


الثلاثاء، 16 يوليو 2013

مملكة الله 
المستقبل الحالُّ بيننا 

قِصّة المسيح في صورة روائية 




في هذه المُدوَّنة سوف أبدأ أسبوعياً في إعادة نشر حلقات هذه الرواية بعد المزيد من الضبط التاريخي. كل خميس بإذن الله سوف أنشر حلقة من حلقات الرواية وسوف تخرج للنور في صورة وَرَقِيّة مع بداية العام الجديد إن أحيانا الله 

الجمعة، 21 ديسمبر 2012


الله محبة...وكذلك الإنسان! 
الله واحد. لكنه يعيش منذ الأزل وإلى الأبد في علاقة محبة. قبل أن يخلق الله الإنسان، كان الله ولا يزال في علاقة حب مع نفسه. لم يتعمق العهد القديم (التوارة والمزامير والأنبياء) كثيراً في شخصية الله، أما في العهد الجديد (الأناجيل والرسائل) فقد اقترب الله من الإنسان وبدأ يكشف له عن غنى شخصيته. ومن خلال تعاملات الله مع الإنسان في المسيح والروح القدس، اكتشفنا أن وحدانية الله ليست وحدانية بسيطة صماء ولكنها وحدانية غنية تتمتع بذلك الاتزان العجيب بين وحدة الجوهر وتمايز الأدوار في الشخصية الواحدة. 

الله الآب
الله هو الخالق. أصل الوجود والعلة الأولى لكل الموجودات. الله لم "يكن" ولا "سوف يكون". الله هو "الكائن" دائماً. هذا هو الإسم الذي قاله الله لموسى عندما ظهر له في العليقة المتقدة دون أن تحترق في جبل سيناء. سأل موسى الله عن "اسمه" فلم يقل له اسماً وإنما قال فعلاً: قال الله: " أنا أكون!" الله هو الوحيد "الكائن" بذاته. ولكون الله فوق المخلوقات والزمن وكل شيء فهو مستعصي على الفهم البشري لأن الفهم البشري، بل وكل شيء بشري مرتبط بالزمن وبالأشياء. نحن نعرف بالمقارنة وندرك الأشياء بعلاقتها بغيرها. فكيف لنا أن ندرك من ليس كمثله شيء؟! هذا الجانب غير المُدرَك من شخصية الله كشف عنه العهد الجديد مستخدماً تعبيراً بشرياً ليقربه لنا وهو تعبير "الآب". فالأب هو بداية الأسرة ورأسها، حتى أننا نطلق على الأب في ثقافتنا "رب الأسرة". لذلك اختار الله تعبير "الأب" للإشارة، أيضاً للحب والمسئولية. 



الله الابن 
لم يرد الله أبداً أن يكون منعزلاً عن خليقته غير معروف منها، وإنما أراد أن يعلن نفسه لخليقته العاقلة وهي البشر. وهو لا يريد أن يعلن نفسه فقط من خلال القدرة والخلق ولكن من خلال الكلام والتواصل أيضاً. هنا نرى الجانب الثاني من شخصية الله ــ الله المتكلم والمعلن عن نفسه. هذا الجانب من شخصية الله يسميه العهد الجديد "الكلمة" أو "اللوجوس" ويعني الكلمة العاقلة أي الكلمة التي تعبر عن العقل العام أو المنطق الإلهي. كلمة الله وعقله واحد. وعقل الله وجوهره واحد. فلا يوجد صراع في الله. الصراع فينا نحن البشر الناقصون، فيكون هناك أحياناً اختلاف بين كلامنا و أفكارنا، فكلمتنا ليست هي نحن، وعقلنا أحياناً لا يعبر عنّا تماماً. أما الله فهو وكلمته وعقله شيء واحد. هذه الكلمة الإلهية ألقاها الله في رحم امرأة عذراء في الزمان والمكان ليتجسد عقل الله بشراً سوياً هو يسوع المسيح. لذلك فإن المسيح هو الله في الجسد.
كلمة الله المتجسد بشراً هو الله الظاهر في الجسد. وهو قمّة تواصل الله مع الإنسان، فلم تعد كلمة الله مجرد أفكار ينقلها الأنبياء، بل صار الكلمة جسداً وحل بيننا. وعرفنا أنه ليس كسائر البشر. لأننا رأينا مجده واختلافه عن الجميع. فلم يدخل للعالم كما دخل أي إنسان، ولم يخرج منه كما خرج و يخرج كل البشر. 
وكما عبر الإنجيل عن الله كمصدر للوجود مستخدماً تعبير الله الآب، فقد عبر أيضاً عن الله كإله قريب ومتكلم باستخدام تعبير الله الابن. في العلاقات الأسرية الابن هو الذي يعلن عن أبيه ويحمل اسمه وشبهه، فمن رأى الابن كأنه رأى الآب. وبذلك يكون الابن أفضل تصوير للآب وكلمة الله أبلغ تعبير عنه. بالطبع عندما نقول "ابن الله" نحن لا نعني أن ابن الله مولود من الله ولادة جسدية كولادة البشر، لكنها ولادة روحية، كولادة الكلمة من قائلها وبزوغ الإعلان من المُعلِن. 


الله الروح القدس 
ولكي يظل التواصل دائماً ولا يقتصر على من عاصروا المسيح بالجسد منذ ألفي سنة، كشف الله عن الجانب الثالث من شخصيته الفريدة. فلم يقف تواصل الله مع البشر عند حد التجسد بشراً في الزمان والمكان، بل زاد التواصل حميمية، بأن يرسل الله روحه ليحتوي ويهيمن على الإنسان المؤمن ويتحد به بصورة روحية و شخصية إلى الأبد.
بعد أن قام المسيح من الأموات ظل يظهر لتلاميذه نحو أربعين يوماً وكان يظهر بينهم فجأة والأبواب مغلقة، ثم يختفي فجأة. ثم بينما هم يتكلمون ، يشعرون بحضوره دون أن يروه، ثم يرونه، ثم بعد ذلك يختفي عن عيونهم مرة أخرى. لقد أراد أن يدربهم على إدراك حضوره معهم حتى وإن لم يروه بأعينهم. ويؤكد لهم أنه سوف يستمر في أن يكون معهم ومع من يؤمنون به بكلامهم إلى الأبد. 
هنا أعلن الله عن جانب ثالث في شخصيته. هذا الجانب يسميه العهد الجديد "الروح القدس" . "الروح" كلمة مشتقة من "الريح". الريح حاضرة دائماً حولنا، ونشعر بها دون أن نراها. وهي أيضاً تدخل في كل إنسان عندما يتنفس، وتصير حية فيه بل مصدر حياته. هكذا الروح القدس. الرب الحيّ والمُحيي، يُنشئ فينا الحياة الروحية الجديدة ويجددها باستمرار. لذلك فالله الروح القدس هو الذي يكلمنا ويكشف عن أذهاننا ويلهمنا. كما أنه يطمئننا ويشهد لنا عن حبه وعن قيمتنا فيه. وهذا هو محور الحياة الروحية المسيحية. 






الله محبة 
للتعبير عن كل من الوحدانية والتمايز في شخصية الله الغنية، قدم يوحنا الدمشقي وهو لاهوتي يوناني عاش في القرن السابع مفهوماً يسمى Peri-choresis وهذه كلمة يونانية تستحق أن تدرس لأنها تعبر عن شخص الله بصورة جميلة محببة للنفس. المقطع الأول منها Peri معناه "حول" والمقطع الثاني Choresis و معناه "يرقص" كما في الباليه. والمعنى المقصود أن الثالوث هو ثلاثة أشخاص متشابكي الأيدي لا يمكن انفصالهم أبداً. فوحدانية الله ليست وحدانية شخص وحيد منفرد بذاته، ولكنها وحدانية مجتمع من كيانات متساوية يحبون بعضهم بعضاً ويعيشون معاً في انسجام واتساق تام. 

الإنسان الصحيح أيضاً محبة 
الإنسان ليس فقط مخلوق للمحبة ، بل لكونه مخلوق على صورة الله، فهو أيضاً مدعو لأن يعيش في علاقة محبة بين كيانات متعددة داخل جوهره الإنساني الواحد. فهناك شخصية "الطفل". فالطفل ليس مجرد حقبة زمنية مر بها الإنسان في تطوره، ولكن الطفل كيان يستمر بداخل الإنسان طوال عمره. الطفل هو الكيان التلقائي القادر على الحب واللعب والاستمتاع، وهو الكيان الذي يشعر بالمشاعر والاحتياجات ويعبرعنها ببساطة. هو الكيان المُبدِع والمبتكر، وهو الكيان البسيط التلقائي القادر على الإيمان والثقة دونما الحاجة دائماً إلى إثبات. هذا الكيان يكون في الصدارة في مرحلة الطفولة، لكنه يظل بداخلنا طوال العمر وينشط في مواقف اللهو والاستمتاع و أثناء الإحساس بالعجز و اختبار المشاعر القوية و أيضاً أثناء حالاات الإبداع و حالات الإيمان والروحانية. 
ثم يأتي "الراشد" وهو الكيان الذي يستطيع أن يدرك الواقع ويتعامل معه ضابطاً التوازنات الصعبة في الحياة. يزن بين اللعب والعمل، وبين الأخذ والعطاء وبين الصمت والكلام وغيرها من توازنات الحياة والعلاقات. يظل الراشد كامناً داخل الطفل حتى يأتي السن المناسب لكي يظهر، مثلما يكون جنين الشجرة كامناً في الحبة الصغيرة ولكنه يظهر عندما تُزرع الحبة في الأرض وتنمو. 
عندما يصل الراشد لسن الرشد المتوسط (40- 60 سنة) ، تبدأ شخصية ثالثة في الظهور و هي شخصية "الوالد" الذي يميل للعطاء أكثر من الأخذ و يشعر بسعادة في التضحية بكل شيء من أجل أولاده وبناته. ليس الذين أنجبهم من صلبه فحسب، ولكنه يشعر بالرغبة في العطاء والرعاية للجيل الأصغر عموماً. 
لا يؤدي ظهور شخصية الراشد إلى اختفاء شخصية الطفل، ولا تمحو شخصية الوالد شخصية كل من الطفل والراشد، وإنما يظل الثلاثة معاً كثلاث شخصيات يلعبها ممثل واحد في مسرحية "مونودراما" عندما يأتي المشهد الخاص بإحدى الشخصيات، فإنها تخرج إلى خشبة المسرح، بينما تظل الشخصيتان الأخرتان كامنتين فيه في نفس الوقت، وكأنهما في كواليس المسرح مستعدتين للخروج عندما ياتي المشهد الخاص بكل شخصية. كل هذا ويظل الممثل شخص واحد له جوهر واحد. 
تخيل معي مثلاً مجموعة من الرجال الراشدين يلعبون الكرة أو حتى يشاهدون مباراة في كرة القدم. في الحال ينتقلون جميعاً إلى شخصية الطفل. مهما كانت أعمارهم وشخصياتهم ومناصبهم ومسئولياتهم، كل هذا يذهب إلى الخلفية ويظهر الطفل في المقدمة. كل ما يفكرون فيه هو كيف تدخل الكرة إلى المرمى! قد يتذكر واحد منهم فجأة أن ساعة العمل قد حانت، فيعود الطفل إلى خلفية الصورة بسرعة، ويظهر الراشد (الذي كان موجوداً دائماً) في المقدمة ويبدأ في التفكير في الخروج من المباراة للذهاب لعمله. ذلك دون أن ينكر الطفل الذي فيه وحقه في اللعب، ولكنه يؤجله لوقت لاحق. ربما أثناء اللعب يُصاب أحد اللاعبين. في تلك اللحظة تصبح المباراة ونتيجتها أموراً ثانوية، حتى العمل ومسئوليات الراشد تصبح أقل أهمية، فالمهمة هنا هو رعاية المصاب حتى يشفى. هذه هي شخصية الوالد. 
في للإنسان الذي يتمتع بصحة نفسية وعلاقة جيدة بنفسه، تظل شخصيات الطفل والراشد و الوالد تعمل معاً في سهولة وانسجام. فالإنسان قبل أن يكون في علاقة سلام خارجية مع البشر الآخرين، يجب أن يكون أولاً في علاقة حب داخلية مع نفسه وهو في ذلك شبيه بالله الذي قبل أن يخلق الإنسان بالحب، عاش ويعيش إلى الأبد في حالة حب داخلية مع نفسه. 

الله يعرفنا نفسه أيضاً من خلال الحب 
لقد اختار الله أن يعلن عن نفسه لنا من خلال الحب والعلاقة وليس من خلال القوة والعمل. فيقول القديس أثناسيوس الرسولي قولته المشهورة: " إنه يكون أكثر تقوى أن نتعرف على الله من خلال الابن وندعوه "الآب" عن أن نتعرف عليه من خلال أعماله فقط وندعوه "غير المخلوق" وإن كنا نتكلم عن العلاقة الداخلية التي لله بنفسه والعلاقة الداخلية التي للإنسان أيضاً، فإن الله من خلال التجسد، يدعونا للاشتراك في علاقته بنفسه. أي أنه يدعونا للدخول في الشركة التي بين الآب والإبن والروح القدس. فيقول توماس ف. توارنس في كتابه الإيمان بالثالوث 
تجسد الابن قد فتح الطريق إلى معرفة الله وفقاً لما هو في ذاته. ففي التجسد، أخذ ابن الله طبيعتنا البشرية لنفسه وجعلها خاصة به تماماً حتى أنه جاء بيننا "كإنسان". وبواسطة وجوده بيننا "كإنسان" كشف لنا عن نفسه "كإله". وبمعنى آخر، فإنه- دون أن يتخلى عن طبيعته الإلهية- اتحد بنا في طبيعتنا البشرية بشكل تام كامل. 
هكذا نرى أن الله علاقة، والإنسان علاقة، ومعرفة الله بالإنسان هي أيضاً علاقة. ليست نقل أفكار أو إبهار بالقوة، وإنما علاقة مشاركة فعالة، فيها اشترك الله في إنسانيتنا لكي يشركنا في لاهوته، ويدخلنا إلى عمق العلاقة بين الآب والإبن والروح القدس. أي إلى عمق علاقته بنفسه. 
«وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكلاَمِهِمْ لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ. أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ وَهَؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي. وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ». (يوحنا 17: 20- 26)

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012

في السادس من فبراير 2011 قبل تنحي مبارك بخمسة أيام كتبت هذا الكلام ونلت بسببه شتائم كثيرة. أحب أن أشارك به اليوم لاؤكد إني مازلت أحلم باليوم الذي يتخذ فيه الإخوان هذه النقلة التطورية التي سوف تجعلهم يعيشون ويبقون كفصيل سياسي ديني مصري.



ستمعت لتوي لكلمة من د. أحمد عكاشة (الذي أحترمه جداً وأحترم شجاعته وآراءه السياسية) وهو يقول كما يقول كثيرون، أن المصريين تغيروا وأن المصريين بعد 25 يناير ليسوا كالمصريين قبله. وأحييه أيضاً أنه شدد على أن هذه الحركة لا يمكن أن  تسمى إلا ثورة وهي أول ثورة حقيقية في تاريخ مصر وأول صورة يصنعها الانترنت. 

انطلاقاً من هذا التصور للمصريين قبل 25 يناير وبعد 25 يناير ا أريد أن اقول..... الكل تغير. الكل تغير وسيستمر في التغيير وسوف تجدون مصراً جديدة تخرج من رحم الثورة

الأحزاب والسياسيونانا أرفض مقولة أن الأحزاب يجب أن يكونوا خارجاً عن الثورة وأنهم يريدون أن يتسلقوا عليها ويسلخون الدب قبل قتله ويريدون قطعة من التورتة وكل هذا الكلام، فهم جزء من نسيج الوطن ومن مؤسساته و من حقهم أن يشاركوا مثل كل المصريين. أرفض أيضاً المقولة التي تقول أنهم تربوا بين أحضان النظام لثلاثين سنة فلا يمكن أن يتفهموا الثورة. أنا أريد أن أقول أن هذه الثورة مثل نار ممحصة تحرق شوائبنا التي تكونت فوقنا ليس فقط لثلاثين سنة بل لمئات السنين. بالأمس وأنا اتمشى في ميدان التحرير تطلعت متأملاً تمثال السيد عمر مكرم قائد ثورة القاهرة الأولى والثانية ضد الحملة الفرنسية وتذكرت.. ربما ثورة يناير 2011 هي أول ثورة مصرية ضد حاكم مصري. كل الثورات السابقة من ثورة القاهرة 1798 مروراً بثورة عرابي 1881 التي كانت موجهة ضد حاكم مصر  (الخديو توفيق)، لكنه لم يكن حاكماً مصرياً، ثم ثورة 1919 و 1952 التي كانتا تحت ظل الاحتلال الانجليزي وأسرة محمد علي الألبانية. 
Picture
الشعب المصري مثل النيل. هادئ وصابر ومستقر. إنه ليس مثل البحر الهائج المضطرم  لكن لا تستهن بثورة النيل حين يفيض ويفيض به الكيل.  ثورة الجمل حين ينوء بالحمل. هذه الثورة كما نقتنا كلنا أرى أنها سوف تنقي الأحزاب وتعيد إليهم وطنيتهم وكأنها تحرق ذواتاً مزيفة أنانية نفعية وخانعة ترضى بالفتات التي تلقي به السلطة  وتعقد صفقات معها. إن الثورة بوتقة تنقينا كلنا وتعيد إلينا بريق معدننا الأصلي. أما من أصبح أغلبه صدأ ووصل الفساد إلى عمقه وجوهره فإن الثورة تفرزه وتتجاوزه.

ربما حتى أكون متجاوزاً قليلاً في التفاؤل حين أستشعر أن الثورة تنقي حسني مبارك نفسه. ذلك الرجل الوطني الذي حارب في 73 وكان في بداية حكمه طاهراً نقياً إلا أن طول مدة الحكم  والمكاسب المادية الكثيرة أفسدته. فربما الآن تنقي الثورة فيه قليلاً مما أفسدته الثروة ويغسل فيضان النيل الثائر دنس السلطان الطويل الجائر. 
الإخوان
سمعت أحد المتظاهرين من الإخوان  يقول  في التلفزيون في انفعال شديد: " لم أكن أتخيل أنني في يوم من الأيام سوف أحتضن مسيحياً يرتدي الصليب" الإخوان طائفة من الشعب المصري نشات ونشأ فقهها خلال السبعين سنة الماضية التي عشنا فيها في قمع وسلطة عسكرية سواء من الإنجليز أو من القصر أو من ثورة يوليو، فوجد هذا الفقه من المصريين آذاناً سامعة فاصبحوا على ما اصبحوا عليه. أتوقع أن الإخوان ايضاً سوف يتغيرو ويتطهر منهم كثيرون بنيران الثورة وسيتخلى الكثيرون منهم عن  العنف وعن أحلام الخلافة والدولة الأحادية والكراهية لمن سواهم ويراجعوا (كما راجعت جماعات الجهاد) فقههم وربما يتحولوا لحزب إسلامي معتدل مثل حزب العدالة والتنمية في تركيا (الذي ربما يكون حزب الوسط نموذجاً له) ويرتضوا أن ينخرطوا في طيف الحياة السياسية كغيرهم من الأحزاب والاتجاهات التي تهدف خير الوطن. بالطبع سوف يكون هناك من بلغ الصدأ  أعماق قلوبهم  وتخللت الكراهية إلى جوهرهم أظن أيضاً أن التاريخ والثورة والشعب سوف يتجاوزوا هؤلاء جميعاً فيصبحون خارج السياق تماماً يسببون لنا مشاكل ولكن أبداً لا يهدمون ما بنيناه. 

المسيحيون
المسيحيون أيضاً يتغيرون وسيتغيرون. إن كانت الذات المزيفة للسياسيين هي الانتهازية والوصولية وتلك التي تغلف كيان الإخوان المسلمين هي العنف ونفي الآخر، فالذات المزيفة التي تغلف المسيحيين هي السلبية والخوف. هذا يتغير وسوف يتغير أكثر. سوف يكتشف المسيحيون أن ملح الأرض يجب أن يكون في الأرض وليس في برطمانات من الكريستال على مقاعد الكنائس حول الأيقونات والبخور وترانيم الإنجيليين، وأن نور العالم لا ينبغي أن يختبئ  تحت المكيال لئلا تطفأه الرياح فيطفؤه غياب الأكسجين. أقول للمسيحيين، وأنا هنا أتكلم بجرأة أكبر لأني منهم، لا تستعجبوا أن ظن الآخرون أنكم تضاجعون النساء في الكنائس وشربون الخمور وتخبأون الأسلحة في الأديرة فأنتم منذ آلاف السنين سر مكنون ولغز مدفون. تصلون بلغة لا يفهمها أحد. وحتى إذا تكلمتم بالعربية فلا يفهمكم أحد. الأرثوذكس منكم متهمون بالانعزال  والعمالة للنظام الحاكم والبروتستانت منكم متهمون بالعمالة والانتماء للغرب. الثورة سوف تغيركم وتخرج بكم إلى الشارع حيث كان سيدكم دائماً. لقد كنا نصلي من أجل شعبنا ومن أجل الفقر والفساد ولكي يقع الحاجز الذي بيننا وبين أهلنا وها هو يقع وسيقع من داخل قلب الكثير من المسيحيين لكن أيضاً  يوجد من وصل الصدأ إلى أعماق قلوبهم. هؤلاء سوف يتحولون إلى أيقونات فريسية في الكنائس ويسوف يتجاوزهم التاريخ وتتجاوزهم الثورة وليس ذلك فقط بل سوف يتجاوزهم أيضاً ملكوت الله ويسبقهم إليه أناس لم يتصوروا في يوم  من الأيام أن يكون هؤلاء من بني الملكوت.

الأحد، 2 ديسمبر 2012

عن الأصولية والإيمان


ربما يكون مهماً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا التي فيها نكتوي بنار الأصولية الدينية، سواء كان هذا الاكتواء اكتواءاً مباشراً من خلال ما ترتكبه العقول الأصولية من إعاقة للتطور الإنساني أو ما ترتكبه الانتهازية السياسية من فساد على كافة المجالات مما يجعل الدولة رخوة وكأنها مريض اقترب من الموت تتوقف أجهزته الحيوية واحداً تلو الآخر بسبب فساد سياسي واقتصادي واجتماعي واستئثار بالسلطة ينخر في عظام الدولة ويصب كل طاقتها ومواردها فقط في الوعاء الأمني البوليسي وذلك  تحت شعار الخوف من الأصولية الدينية.
نتساءل دائماً هل الأصولية هي بالفعل العودة للجذور؟ هل هي الإصلاح الديني والعودة للبساطة والقوة والزخم الذي نشأت به الأديان والحركات الروحية؟ أما هي ردة فعل جامدة غير طبيعية  ناتجة من الخوف من التجديد؟ هل هي خلايا حية نابضة؟ أم نسيج ليفي متكلس ناشئ من ردود أفعال دفاعية؟
دعونا نناقش هنا، ولغرض البعد عن الحساسيات، الأصولية المسيحية وكيف نشأت تدريجياً. ربما نحتاج لبعض الفلسفة واللاهوت في كلامنا عن الأيمان كمدخل لنا لاستيعاب هذا الأمر، ولا أظن أن القارئ المهتم سيضيق بذلك.
ثلاث مراحل على درب الإيمان
المثير للاهتمام في التاريخ أنه لا يترك شيئاً خلفه وإنما هو تراكم لخبرات ورؤى متتالية مضافة إلى بعضها البعض. و نستطيع أن نرى في  تطور الفكر في العالم من قبل الحداثة إلى الحداثة إلى بعد الحداثة ما وصفه تيد بيترز في كتابه الطليعي الله- مستقبل هذا العالم[14] بالمراحل الثلاث على درب الإيمان أو تطور الفكر الإنساني بشكل عام سواء الفردي أو الجماعي، وهي أولاً، التركيب البسيط "الساذج" للعالم Naïve world construction الذي كان يسود عصر ما قبل الحداثة ثم عصر الحداثة الذي تميز بما يسمى  التفكيك الناقد لكل شيء Critical deconstruction  و أخيراً إعادة التركيب البعد نقدية Post-critical re-construction التي تميز عصر ما بعد الحداثة.






هذه المراحل كمراحل تطورية للفكر الغربي، يمكن أن نراها أيضاً كمراحل تطورية لإيمان وحياة الأفراد وخطوات على طريق تَشَكُّل وعيهم الإنساني.  في الواقع أستطيع أن أتتبع هذه المراحل في نموي الإيماني الشخصي فأنا أعتقد أن عملي بالطب النفسي  منذ 1993 إلى الآن ودراستي في كلية اللاهوت الإنجيلية من 2000 إلى 2005 كانت مرحلة متصلة طويلة من الحلقات المتتالية من التفكيك الناقد ثم إعادة التركيب البعد نقدية.

التركيب البسيط للعالم
تنتج هذه الرؤية للعالم إيماناً بسيطاً مباشراً يعيشه الإنسان داخل عالم من المعاني لا يتعارض مع الواقع المادّي الذي يعيشه. هذه هي الحالة التي عاشها البشر في عصور ما قبل الحداثه قبل أن يختبر الإنسان ذلك الوعي الناقد الذي ميز عصر الحداثة. هذا الوعي الناقد  دفع الإنسان لأن يخرج خارج عالم المعاني الخاص به ليراه من الخارج ويحكم عليه بصورة موضوعية ويسأل: "هل هذه الأمور هكذا بالحقيقة؟[15]"  في هذه المرحلة البسيطة للإيمان، نفترض أن الأفكار التي في أذهاننا والكلمات التي في أفواهنا تطابق واقع العالم تماماً، مثلما يؤمن الأطفال أن بابا نويل هو بالفعل الذي دخل ليلاً  من النافذة بعربته التي تطير في الفاء تجرها الغزلان وترك لهم الهدايا التي يجدونها تحت الشجرة صباح عيد الميلاد.  هذا الواقعية الساذجة Naïve Realism   هي ما يحدث مع الأطفال الذين يولدون في أسر متدينة.  يفترضون وجود الملائكة الحارسة والتفسير التدبيري لكل حدث باعتباره إرادة الله المباشرة، والتفكير في الأقارب المنتقلين أنهم الآن في السماء فوقهم ينعمون بالفرح والسلام  ويلهون بالسحاب ككرات ثلج يتقاذفونها منتظرين الدينونة الأخيرة.  إنها الوحدة الساذجة مع العالم الرمزي وبالتالي الميل  لتفسير الرموز اللاهوتية تفسيراً حرفياً بسيطاً.  أذكر على سبيل المثال أول مرة ركبت طائرة مع أطفالي الصغار عندما سألتني ابنتي ذات الأعوام الثلاثة وقتها: " بابا نحن الآن فوق السحاب، أين الله؟"
أساسيّ في هذا النوع من الحياة أن يكون هناك توتر ولكنه ليس توتراً فكرياً وإنما هو توتر أخلاقي. في صورة ثنائية بين الخير والشر والله والشيطان. القضية الوجودية التي تشغل بال الإنسان في هذا النوع من الحياة ليست هي قضية البحث عن الحقيقة وإنما هي قضية مستوى الالتزام الشخصي،  بين الإيمان،  وعدم الإيمان، ومقدار الإيمان.  والسؤال الذي يسأله الإنسان لنفسه ليس: "هل هذه الأمور التي أؤمن بها حقيقية؟" وإنما: "هل أنا شجاع بما فيه الكفاية لكي أموت من أجل ما أؤمن به؟"

التفكيك الناقد
ما قدمه لنا القرن السابع عشر والثامن عشر هو وعي ناقد يميل إلى التفكيك التام لعالم ما قبل الحداثة كما يصر الطفل اليافع أن يفك اللعبة التي اشتراها له أبوه إلى كل أجزائها الصغيرة ليعرف ما بها بالضبط. هكذا الإنسان بنفس الشغف أراد أن يفكك الوجود كله ليعرف مم يُصنع هذا الوجود. هذا الوعي الناقد صنع هوة هائلة بين عالم المعاني والمعتقدات الدينية والعالم الموضوعي الخارجي، فها هو جاليليو جاليلي (1564- 1642) يؤكد ما قاله من قبل كوبرنيكوس (1473-1543) من أن الأرض ليست هي مركز الكون وأنها تدور حول الشمس وهكذا تطور الوعي الناقد والعلم التجريبي حتى استطاع الإنسان ليس فقط أن يطير فوق السحاب بل أن يصل إلى القمر وقيل[16] عن رائد الفضاء الروسي يوري جاجارين بعد أن صعد إلى القمر أنه قال ، مثل بنتي الصغيرة: " إنني لا أرى أي وجود لله هنا!"  إننا ينبغي أن نواجه الواقع.  نحن لا نستطيع بعد الآن أن نعيش بهذه البساطة في عالم الكتاب المقدس الذي يتوقع دائماً تدخلات فائقة للطبيعة من ملائكة وغيرها وأن السماء تقع خلف الغيوم.  باختصار، قد انقطعت علاقتنا الساذجة بالعالم الرمزي للكتاب ولم يعد العالم الحديث قادراً على رؤية الله في الطبيعة بنفس الطريقة التي كان يراه بها عالم قبل الحداثة، وإنما أصبح يرى أن الطبيعة تسير وفق منظومة مغلقة من الأسباب والقوانين الطبيعية و لم يعد الله موجوداً إلا في عالم القيم والمثل والأمور الذاتية. هذه الهوّة بين عالم المعاني والعالم المادي تقابل تاريخياً الهوة بين عالم ما قبل الحداثة بتركيبه البسيط للعالم وعالم الحداثة ذو الوعي الناقد الذي يميل لتفكيك كل شيء وهي الهوة التي يسميها اللاهوتيون "الهوة التفسيرية" Hermeneutical gap  التي تهتم بسؤال أساسي وهو: كيف نفسر رموز الكتب المقدسة بطريقة تستطيع  أن تكلمنا اليوم في عصرنا الذي قد تغير.
من المهم جداً أن ندرك، كما يقول بيترز، أن التفكير على مستوى السذاجة الأولى له مصداقيته الخاصة فهو ليس بالضرورة ضد العقل أو غير أمين أو ضحل روحياً. إن الرسالة الدينية (رسالة الخلاص) حقيقية وذات معنى بالنسبة للأطفال والبسطاء كما كانت بالنسبة للقدماء وبالنسبة لأي شخص آخر. وكما يقول ك. س. لويس أن الإنسان البسيط الذي يتناول عشاءه  سوف يستفيد منه دون أن يحتاج لأن يفهم تفاصيل العمليات الحيوية التي مر بها ذلك العشاء حتى يتحول إلى طاقة تحرك عضلاته.[17]
 ولكن عندما يتعرض الإنسان بطريقة أو بأخرى إلى الوعي الحداثي، وغالباً ما يحدث هذا من خلال التعليم، فإنه يدخل  نار الوعي الناقد الممحصة وعندئذ لا يمكنه العودة للوراء.  في هذه الحالة لا سبيل للحفاظ على الإيمان الحقيقي إلا بالتقدم للأمام.  بعد أن تركنا شاطئ السذاجة  ونزلنا خضم الوعي الناقد الذي يفكك كل شيء لا يمكن أن نعود للشاطئ. الأمل الوحيد هو أن نتقدم إلى الأمام و نسبح نحو جزيرة جديدة في عرض البحر.

الوعي الناقد والإيمان
هنا ينبغي أن نسأل سؤالاً هاماً: هل يتعارض الشك والوعي الناقد مع الإيمان؟  بالنسبة لكثيرين، الشك هو عدم الإيمان، والنقد يتعارض مع التصديق فلا يمكن للمؤمن أن يناقش أو يجادل وبالذات في موضوعات الإيمان الأساسية وعندما يفعل ذلك فإنهم يعتبرون أن إيمانه قد ضعف أو بدأ في الزوال.  أما إذا كان الإيمان يقبل الشك والنقد فما هي طبيعة ذلك النوع من الإيمان؟ هذا النوع من الإيمان ليس هو التصديق الساذج وإنما هو التكريس لحضور لا يمكن استقباله كما يُستقبَل الواقع المادّي، وهو يستند على فرضية أساسية وهي أن الله هو الحق وكما أن السعي إلى الله سوف يوصلنا للحق، فإن كل سعي صادق نحو الحقيقة لن يبعدنا عن الله بل سوف يقربنا إليه أكثر،  وبالتحديد سوف يقربنا لصورة أنضج وأكثر واقعية لله من الصورة القديمة الساذجة التي لم يكن البشر قادرين على استقبال ما هو أكثر منها في مراحل الطفولة الفكرية للبشر. هذا يعني أن الله سوف يعيننا على عبور هذه الهوة التفسيرية فيأخذ مما لله ويخبرنا في كل عصر من عصور نمونا الفكري، وكما كلم القدماء بلغة أسطورية ساذجة، يستطيع أيضاً أن يكلمنا بصورة نستطيع أن نفهمها ونقبلها في عالم الحداثة وبعد الحداثة.

الأصولية ليست "أصيلة"
إن كان الشك واللاأدرية والإلحاد مخاطر حقيقية تواجه الإيمان في عصر الحداثة،  فهناك خطر آخر لا يقل بعداً عن الإيمان الحقيقي من هذه المخاطر. هذا الخطر هو الأصولية. فإن كان الإيمان القبل حداثي "الساذج" إيماناً أصيلاً، فالأصولية ليست أصيلة ، بل هي رد فعل و موقف دفاعي اتخذه الإيمان كرد فعل للحداثة[18] ووعيها الناقد وكمحاولة يائسة للعودة للوراء لعصر البساطة بعد أن نزلنا رغماً عنا لبحر الحداثة.  للأسف الشديد بعد النزول لبحر الحداثة لا يمكن العودة للبساطة فكيف يمكنك أن تعود وتقنع أطفالك أن بابا نويل هو الذي يأتي بالهدايا بعد أن استطاعوا أن يسهروا ليلاً ورأوك أنت وأمهم وأنتما تضعان الهدايا بأنفسكما تحت الشجرة؟ لا يمكنك أن تقنعهم، فقط تستطيع أن "تقمعهم"  وتقول لهم أنهم إذا لم يصدقوا رواية بابا نويل فهم لا يحبون "بابا" و"ماما" لأن بابا وماما يريدانهم أن يظلوا مصدقين لرواية بابا نويل.  ولكي تعيد إلى أطفالك "إيمانهم" المفقود تملأ البيت بمنشورات وصور لبابا نويل وتذيع ليل نهار شرائط تصف شخصية بابا نويل و قصص تؤكد كيف أنه شخصية حقيقية وتتهم بالكفر والإلحاد وتهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور أي إنسان أو حتى حيوان تسول له نفسه في أن يشكك في رواية بابا وماما الصادقة عن بابا نويل. الهدف بالطبع ليس قمع الأطفال وإنما استعادة فرحهم البسيط بالعيد وبالهدايا. لكن السؤال: "هل من الممكن أن يستعيد الأطفال فرحتهم المستمدة من تصديقهم الحرفي لرواية بابا نويل؟ أم الأفضل أن نحاول أن نعيد تفسير رمز بابا نويل بصورة تصنع فرحة جديدة مناسبة لعمرهم ووعيهم الجديد؟
هذه هي قصة الأصولية والأصوليين، فلم يعد هؤلاء لأرض البساطة الخضراء التي تخترقها الأنهار دائمة الجريان، وفي نفس الوقت لم يصلوا لجزيرة الإيمان الحديث الوارفة التي تمطر عليها الأمطار طوال السنة.  وإنما في محاولتهم العودة لشاطئ البساطة،  وصلوا لجزيرة صخرية قاحلة في عرض البحر ظنوها شاطئ البساطة ورفعوا عليها علماً ضخماً كتبوا عليه "جزيرة الإيمان الحقيقي البسيط"  بالضبط كما ظن الأوربيون الأوائل الذين وصلوا لأمريكا أنهم وصلوا للهند ولذلك سموا سكانها "بالعافية" بالهنود الحمر!
كلنا نشتاق للعودة لبساطة الطفولة وتصديق قصة بابا نويل وأنا شخصياً، وغيري كثيرين يشاركونني مشاعرهم، كلنا نشتاق للعودة لبساطة الإيمان الأولى في سنوات الشباب قبل أن نرى ما رأيناه ونفهم ما فهمناه. لكن هيهات للماضي أن يعود.  وللأسف رأيت البعض يغرقون في عرض بحر الحداثة ويفقدون إيمانهم وإن احتفظوا بصور هيكلية له. ورأيت أيضاً الكثيرين من الذين قاوموا التطور وأصروا على أن يظلوا في مكان البساطة، رأيتهم يتحولون دون أن يدروا للأصولية ويظهر ذلك عليهم في صورة تعصب وعصبية وعصاب. التعصب هو ضيق الأفق وعدم القدرة على رؤية الأمور من مناظير مختلفة. و العصبية هي الغضب و سهولة الاستثارة والهجوم بعنف على كل فكر جديد أو مخالف وهي  بطبيعة الحال ناتجة من التعصب. أما العُصاب Neurosis فهو الإصابة بأمراض نفسية مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطرابات الشخصية بسبب الحياة في حالة من التعصب والعصبية وربما اللجوء لإدمانات مختلفة (ربما تكون إدمانات حسنة المظهر مثل إدمان العمل أو الخدمة أو الدين) وذلك حتى يستطيع الإنسان أن يضيق مساحة وعيه ويحتمل الحياة على جزيرة الأصولية القاحلة.
في العدد القادم سوف نواصل الكلام عن سمات الأصولية الدينية التي تشترك فيها كل أنواع الأصوليات مهما كان الدين.


سمات أخرى للأصولية
تتميز الأصولية بعدة سمات أرى أنها كلها تنبع من التفسير الحرفي للكتاب وهي الموقف السلبي أو على الأقل المتشكك من كل شيء إنساني. كالديمقراطية مثلاً و حقوق الإنسان و العلوم. ويوجد لدى الأصوليون عداء خاص مع العلوم الإنسانية مثل الفلسفة أو علم النفس ربما لأنهم يرون أنها تنافس الكتاب المقدس في تقديم تفسيرات ميتافيزيقية للحياة والإنسان. من هذا المنطلق تتوقع الأصولية وتفترض أن حلول كل شيء سواء كان مادياً أو معنوياَ، روحياً أو نفسياً أو اجتماعياً يمكن الحصول عليه فقط من خلال الالتزام بالصلاة وبنصوص الكتب المقدسة بتفسيراته الحرفية التي يقدمونها وأي شيء خلاف ذلك يعد هرطقة وخروجاً عن الإيمان. الكتب المقدسة بالنسبة للفكر الأصولي،  فيها كل شيء نحتاجه ويصلح لعلوم الدين والدنيا. والأقل تشدداً منهم يمكن أن يقبلوا مقولات العلم الحديث بشرط أن توجد لها مبررات وتفسيرات كتابية مباشرة ولا يقنعون بتفسيرات "لاهوتية" تستقي المبدأ الروحي من الكتاب المقدس وتطبقه على الحياة الحاضرة،  وإنما يريدون دائماً اقتباسات حرفية مباشرة. أما اللاهوت (الفقه) الذي توافق عليه هذه المدرسة فهو فقه مدرسي غير نقدي  لا يقبل إلا التفسيرات الحرفية للكتب المقدسة.

الاصولية والانكفاء على الماضي
بالرغم من أن صُلب "ملكوت السموات" الذي جاء المسيح ليكرز به هو أنه ملكوت مستقبلي يستشرف أرضاً جديدة وسماء جديدة وخليقة جديدة تماماً، إلا أن المسيحيين اضطروا تحت ضغط الحداثة والروح المعادية للدين أن يتمسكوا بالماضي هرباً من رياح الماديّة ففقدوا العنصر الأساسي لإيمانهم وهو الإيمان بالمستقبل واستبدلوا به الماضي. هكذا أصبحت الكنيسة الأولى هي المثال وأسلوب الحياة فيها هو الأسلوب الذي يشتاقون إليه مرددين كلام المسيح عن أن المؤمنين به سوف يعملون الأعمال التي يعملها هو بل وأعظم منها، ولم يدركوا أن نفس هذه المقولة التي يقتبسونها وبالذات عبارة "أعظم منها"  هي مناقضة تماماً لما تهفو إليه قلوبهم من "عودة" عصر الرسل! الأصولية  ثقافة وضعت عينها في قفاها خوفاً من المستقبل الذي تجهله.
التركيب البعد نقدي  Post-critical Reconstruction
بعد أن  تَرَكَنا الوعي الناقد واللاهوت النقدي الحديث في عرض البحر، لم نعد نستطيع العودة لشاطئ البساطة الوارف وفي نفس الوقت لا  نريد أن نذهب إلى جزيرة الأصولية الصخرية.  في هذه اللحظة  من تاريخ الحضارة الغربية تتم دعوة اللاهوتيين للإيمان بأن هناك في مكان ما، جزيرة خضراء يمكن للإيمان أن يحيا عليها وهي ليست شاطئ البساطة وليست أيضاً جزيرة الأصولية الميتة. هذه الدعوة هي دعوة لإعادة تركيب عالم المعاني بعد أن قام الوعي الناقد بتفكيكه تماماً ولكن إعادة تركيبه بصورة جديدة تصلح لعالم ما بعد الحداثة.
عندما وجد الوعي الحداثي التعبيرات الكتابية غير متوافقة مع العلم الحديث، قرر أن يلقي بهذه التعبيرات ومعها رموز الإعلان الإلهي نفسها، في عرض البحر. فعلى سبيل المثال قرر اللاهوت المتحرر أن المسيح لم يقم فعلاً بشكل موضوعي وإنما كانت قيامة المسيح خبرة "ذاتية" للتلاميذ شعروا بها أما جسد المسيح نفسه فقد مات وشبع موتاً وذلك لأنهم تأثروا بالفكرة الحداثية التي لا تقبل حدوث المعجزات في الواقع المادي وإنما تقبل بحدوثها فقط في الواقع الذاتي الاختباري. فيقولون مثلاً أن معجزة القيامة هي قيامة الإيمان مرة أخرى" في قلوب" التلاميذّ!
أما الأصوات البعد حداثية فهي تشكو من أن المحدثون قبلوا بفرح الفكرة الخاطئة بأن المعنى في الحياة هو بالضرورة ذاتياً تماما وأن المعنى تخلقه الذات ولا يوجد في العالم الخارجي أي معنى أو تفسير إلا التفسير المادّي. والنتيجة الطبيعية لذلك هو شعور عميق بالوحدة والجوع الروحى يميز البشر في عصرنا الحالي. لقد تركت الحداثة البشر تائهين في عرض محيط اللامعنى وفي نفس الوقت لا يستطيعون أن يعودوا لشاطئ السذاجة وبالطبع لا يريدون أن يذهبوا لجزيرة الدين الأصولي السلطوي بل يظن الكثيرون منهم أن أي عودة للدين أو للروحانية المسيحية هي عودة لواحد من هذين الخيارين. و يكتب بول ريكور[19]: " إننا نتمنى أن نسمع دعوة تنادينا مرة أخرى للعودة من صحراء النقد" ويحتج قائلاً أن ما نحتاجه هو تفسير بعد نقدي وفي نفس الوقت إنجيلي محافظ[20] للرموز القديمة  وذلك من خلال أن نشاركها عالم معانيها وندعها تخاطبنا الآن في عالمنا. كانت روحانية ما قبل الحداثة تميل للتفسير الساذج للعالم، ثم عندما جاءت الحداثة بوعيها التفكيكي الناقد المدفوع بالعلم والنزعة الإنسانية التحررية. البعض جرفتهم رياح إما الشك واللاأدرية وبما الإلحاد وأحياناً اللاهوت المتحرر. والبعض الأخر رفضوا أن يجتازوا هذا التفكيك الناقد وأرادوا أن يعودوا للبساطة فلم يعودوا إلا للأصولية. آخرون بسبب الجوع الروحي لله و رفض التدين الأصولي السلطوي، إما تحركوا نحو الروحانية غير السماوية من ديانات شرقية أو فلسفات مثل العصر الجديد أو غيرها أو قرروا أن يجتازوا إعادة التركيب لعالم المعاني الكتابية وإعادة تفسير الرموز المسيحية في صورة لاهوت بعد حداثي محافظ وهذا ما أحاول من خلال هذا الكتاب أن أشير إلى احتياجنا الشديد إليه.
من هذا المنظور نعتبر أن كل من الإيمان البسيط القبل حداثي الخالي من الشك، والإيمان الحداثي المليء بالشك والنقد وأيضاً الإيمان البعد نقدي المحافظ، كلها صور مسيحية أصيلة بمعنى أنها تؤدي إلى نمو حقيقي في العلاقة بالله والنفس والآخرين. أما الخيارات الأخرى، وإن كانت لها صور شبه مسيحية مثل اللاهوت المتحرر أو الأصولية فهي ليست كذلك.


أما عندنا في الشرق فالوضع يختلف قليلاً فالأصولية خيار أكبر وربما الأكبر منه هو التدين الشكلي الذي يمارسه الإنسان دون اقتناع عميق  وذلك فقط لكي يكون مقبولاً من المجتمع وبالتالي لا يؤثر "إيمانه" هذا في سلوكه اليومي أما الروحانية اللاسماوية والفكر المادي اللاديني فأقل منهما في الغرب بنسبة كبيرة.
اللاهوتي المسيحي هو أصلاً لاهوت بعد نقدي
وبعد أن استعرضنا الوضع الروحي المعاصر في الشرق وفي الغرب يمكننا أن نعود للتاريخ لنكتشف أن المشهد في القرون المسيحية الأولى لم يكن مختلفاً كثيراً عن المشهد في العصر الحديث فالتاريخ، كما يقولون، يعيد نفسه في حلقات متشابهة ولكن بشكل متطور ومتصاعد كلحزون صاعد لأعلى. كان المشهد الروحي عندما جاء المسيح للعالم مشابهاً نوعياً للمشهد الحالي. كانت أورشليم وكل اليهودية والجليل تختبر حراكاً سياسياً واجتماعياً ودينياً شديداً. الصدوقيون وهم طائفة الكهنة الذين لا يؤمنون إلا بأسفار التوراة الخمسة ويحفظون طقوس الذبائح في الهيكل هم الذين يمثلون الدين الرسمي ومعروف عنهم تواطئهم مع الحكومة واشتراكهم معها في نفس درجة الفساد وحب المال. كانت طائفة الصدوقيون تمثل الطائفة الليبرالية التي تقيم الطقوس والشرائع في العلن لكن إيمانها يميل إلى المادية، فقد كان الصدوقيون يؤمنون أن النفس تموت مع الجسد ولا توجد قيامة أموات ولا خلود بعد الموت.  لم يؤمنوا بوجود الملائكة أو الشياطين أو أي كائنات غير منظورة وإنما وكانوا يؤمنون أن الله يبارك الإنسان الصالح بركة مادّية هنا في الأرض وكفى.  أما الفريسيون فكانوا يمثلون التيار المحافظ وإن لم تخل محافظتهم من أصولية سلفية. كانوا ، بسبب محافظتهم يؤمنون بكل الكتاب من توراة وأنبياء إلا أن أصوليتهم ظهرت أيضاً من خلال تفسيراتهم الحرفية للكتاب المقدس، التزامهم المبالغ فيه بكتب طقسية عديدة وتفسيرات شديدة الدقّة لكل أمور الحياة كما أنهم ادعوا وجود تقليد سماعي عن موسى تناقله الخلف من السلف وزعموا أنه معادل لشريعته المكتوبة. من حيث العقيدة كانوا يؤمنون بخلود النفس وقيامة الجسد ووجود الأرواح والجنة والنار، غير أنهم حصروا الصلاح في طاعة الناموس فجاءت دياناتهم ظاهرية وليست نابعة من القلب.
وسط هذه الخريطة الدينية تاقت أرواح الناس وبخاصة الشباب الذين يبحثون عن الصدق والحقيقة إلى خبرة روحية  حقيقية تقرب الإنسان من الله ومن أخيه الإنسان وتعطيه معنى جديداً لحياته متحرراً من الدين الرسمي والشعبي على حد سواء. تاقت القلوب إلى علاقة روحية شخصية مباشرة بالله بعيداً عن تقاليد الدين وتسلط رجاله على الناس و ظهر هذا الشوق لله وللخبرة الروحية في صور عديدة فهناك من ظل متمسكاً باليهودية ومنها أيضاً من كفر باليهودية تماماً وذهب وراء الديانات السرية ذات الأصول الوثنية.
من بين حركات التجديد الروحي اليهودية التي قامت في القرون الميلادية الأولى حركة الآسينيين الذين يقال أنهم تفرعوا من الكهنة الصدوقيين رافضين ديانتهم المادّية وعاشوا في مجتمعات صغيرة في الصحراء حياة صوفية من النسك والفقر الاختياري ممتنعين عن الزواج أو أي من مباهج الحياة. من بين الآسينيين جماعة وادي قمران وغيرهم عاشوا متوحدين في أنحاء متفرقة من صحراء اليهودية.
أما الديانات السرية  فكانت عديدة أهمها كانت ديانة مثرا التي كانت شائعة بالذات داخل الجيش الروماني من القرن الأول إلى الرابع الميلادي وهي منسوبة للإله الفارسي مثرا المولود من صخرة. و تتم عبادة مثرة في معابد سرية  تحت الأرض ومن ينضم لهذه الجماعة عليه أن يمارس طقوس خاصة فيها يقوم بذبح ثور والشرب من دمه والاغتسال بهذا الدم إيذاناً بولادته من جديد في الدين المثرائي ثم بعد ذلك يرتقي الداخل في هذا الدين سبعة رتب في الجماعة بقدر وفاءه بالطقوس والعهود.  كانت هذه الديانات السرّية تقدم للناس خبرة خاصة وتشبع احتياجاهم للعلاقات الحميمة وللدخول في مجتمع  آخر غير المجتمع  الذي يشعرون بفساده واليأس من تغييره.

وسط كل هذا جاء "حدث" المسيح بكل ما فيه من تعليم يكمل الناموس ويعيده لمعناه الأصيل وبكل ما فيه من إظهار لقوة الله المعجزية ونعمته المغيرة. كان الإيمان بالمسيح يمثل "وعياً ناقداً" جديداً للحياة الدينية اليهودية. هذا الرجل الناصري كان يعلم بسلطان وكأنه هو صاحب الناموس ويصنع معجزات لا يصنعها أحد إن لم يكن الله معه، وفي نفس الوقت يقول عن نفسه أنه ابن الله جاعلاً نفسه مساوياً لله. اصطدم يسوع بالمؤسسة الدينية اليهودية صداماً أدى إلى الحكم عليه بالإعدام صلباً، لكن تلاميذه بعد أن فقدوا إيمانهم به بعد صلبه عادوا وآمنوا به بصورة أقوى مما كانوا عليه وبشروا بقيامته في العالم المعروف كله في ذلك الوقت ومات أغلبهم شهيداً دون هذا الإيمان.
كانت هناك ردود أفعال متباينة لمن عاصروا هذا الحدث ومن وصلت إليهم أخباره. أغلب الشعب افتتن بتعليمه وأعماله وظنوه المحرر السياسي الذي سوف يعتقهم من بطش الرومان وسيطرة الفريسيين وفساد الملك وحاشيته، لكن عندما قُبض عليه واستسلم بهدوء احتقروه وطالبوا بصلبه وعادوا إلى معتقداتهم الدينية التي كانوا يؤمنون بها. وعندما قام وشهد تلاميذه بقيامته، آمنت به جماعة كبيرة من كل طوائف الشعب، الكهنة والفريسيين والخطاة والعشارين والغيورين والآسينيين وغيرهم. حتى الرومان والسامريون آمنوا به.

ثم يخبرنا العهد الجديد في سفر أعمال الرسل أن صراعاً نشأ في الكنيسة الأولى على مستويات عدة منها المستوى الطقسي حيث صارع المسيحيون الأوائل مع قضايا طقسية مثل الختان وما يجب أن يتبعوه من ناموس موسى وكانت هناك طائفة ممن كانوا يسمّون التهوديين الذين كانوا يشترطون أن المؤمنين بالمسيح من الأمم يجب أن يتهوَّدوا أولاً ويختتنوا قبل أن يصيروا مسيحيين. صحيح أن الإصحاح الخامس عشر من سفر الأعمال يخبرنا عن أول مجمع مسيحي حدث فيه نقاش محتدم بين الفرق المختلفة واستطاع الرسل أن يحسموه ويصلوا إلى حل وسط. لكن الصراع ظل متواصلاً بين التفسيرات الحرفية للعهد القديم والوعي الجديد الذي يقدمه حدث المسيح  وظل التهوديون وغيرهم كطوائف يمكن أن نسميها مسيحية يهودية أصولية لم تستوعب حدث المسيح كما هو بالحقيقة وحاولت أن تضعه في قالب يهودي أصولي قديم. ظل هذا الصراع حتى وصل إلى نقطة حاسمة في القرن الرابع الميلادي في صورة مجمع نيقية الذي أعتقد أنه كان أول محاولة لصياغة لاهوت بعد نقدي دياليكتي Dialectic فقد كانت الأطروحة الأولى Thesis التي يقدمها العهد القديم هي أن الله واحد والأطروحة الثانية Thesisهي أن المسيح هو أيضاً الله الظاهر في الجسد والروح القدس هو أيضاً الله الحال في الكنيسة ويصنع بها وفيها نفس ما صنعه المسيح وأكثر. وبعد صراع شديد، استطاع أثناسيوس الرسولي الأسقف السكندري أن يصيغ لاهوتاً توليفياً Synthesis بعد نقدياً  Post-critical  هو لاهوت الثالوث. أما الفريق  الثاني بقيادة آريوس ونسطور الذي لم يؤمن بهذا اللاهوت فقد شكل نوعاً من المسيحية اليهودية الأصولية التي لا تؤمن بالثالوث ولاهوت المسيح. وظل هذا النوع من المسيحية منفصلاً ن التيار الرسمي للكنيسة المسيحية ومضطهداً منها وتم نفي الكثيرين من أتباع هذا النوع من المسيحية في الصحاري والبوادي ومنها الصحراء العربية.

القوى الدافعة
في كل المجتمعات البشرية كانت دائماً توجد قوى دافعة للتحرك للأمام نحو الحداثة وبعد الحداثة. صحيح أن التحرك للأمام هو عمل الله في الجنس البشري الذي يدفعه نحو مستقبل من اكتمال المعنى والحياة، إلا أن هذه القوى البشرية هي التي لديها، بسبب تكوينها، قدرة أكبر من غيرها على التقاط إشارات التطور التي يرسلها روح الله بصفة مستمرة للعالم. هذه القوى البشرية لا تتمثل فقط في الأنبياء وإنما تتمثل أيضاً في المفكرين واللاهوتيين والفنانين والسياسيين والمصلحين الاجتماعيين. منذ الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب إلى وموسى وإيليا وإرميا، ثم  بولس ويوحنا، ثم إراسموس و مارتن لوثر وجون كالفن ثم رجال عصر النهضة والاستنارة والحداثة مثل هيجل وكانط وكيركجارد و داروين ونيتشة وفرويد واللاهوتيين مثل توما الأكويني وأنسلم و  بونهوفر وتيليك وايضاً المصلحون الاجتماعيون عبر العصور مثل ويليام ويلبرفورس(محرر العبيد) ومارتن لوثر كنج والأم تريزا وغيرهم كثيرون وكثيرات. كل هؤلاء قادهم الله  لتحرير الروح الإنسانية وقيادتها إلى أفاق أبعد من الوعي والحياة.
وانطلاقاً من خبرتي الخاصة في العلاج النفسي والخدمة الروحية، أريد أن أشير إلى مجموعتين من الأشخاص ليسوا دائماً من المشهورين أو أعلام الفكر وإنما هما  قوتان من البشر العاديين الذين أرى أنهم شديدوا التأثير في عالمنا داخل كل شعب وثقافة وفي كل عصر من العصور.  هاتان المجموعتان هما المجموعتان الأكثر توقاً للتغيير والأكثر استشعاراً بفشل الحاضر واحتياجنا لشيء جديد يستأهل أن نخاطر ونذهب إلى المستقبل من أجله معرضين أنفسنا للموت في الصحراء أو في عرض المحيط تماماً كما اضطر غير المتوافقين مع المجتمع الأوربي بصور مختلفة أن يغامروا بالإبحار غرباً حتى وجدوا العالم الجديد.
المجموعة الأولى هي الشباب الذي بسبب المرحلة التطورية التي يمرون بها يستطيعون أن يروا أكثر من غيرهم ما بعالمنا من ضعف وشيخوخة ويرصدون ما به من تناقضات قبلها الجيل الأكبر كحقيقة من حقائق الحياة التي لا يمكن تغييرها ثم أصابهم الوهن وخفتت فيهم جذوة التغيير ومالوا لأن يبقى الحال كما هو عليه. يأتي الشباب ويقولوا "لا" لهذا الموت والركود.  الشباب أيضاً بسبب المرحلة العمرية التي يجتازونها هم الأكثر ميلاً للحرية وتحت شعار التحرر من السلطة الوالدية لتحقيق ذواتهم يميلون للتحرر من كل السلطات،  وبسبب توقهم لعلاقات جديدة خارج الأسرة تساعدهم لتكوين شخصياتهم الفريدة،  يميلون لقبول الآخرين المختلفين عرقياً ودينياً وفكرياً ويميلون للنزعة الإنسانية المتحررة.  بالإضافة لذلك يعتبر الشباب أيضاً أكثر المجموعات البشرية تعرضاً للعلم الأحدث بسبب أنهم يمرون في مراحل التعليم،  وهكذا يتعرضون للاكتشفات العلمية التي تتحدى طرق التفكير الأقدم في كل مجالات الحياة.
الفئة الثانية التي تستشعر دائماً التغيير هي مجموعات البشر التي لا تشعر بالراحة في العالم الحالي سواء اجتماعياً كالعبيد والأقليات، أو اقتصادياً كالفقراء والعاطلين،  أو نفسياً كضحايا الإساءات النفسية والروحية بكل صورها. هؤلاء، كما يقول المسيح، هم الذين قبل غيرهم يستشعرون الملكوت الجديد ويقبلونه قبل غيرهم فيدخلونه. هم المساكين بالروح  أي الفقراء روحياً الذين لا يستطيعوا السيطرة على أرواحهم بسبب الإدمان والخطايا المزمنة. وهم الحزانى الذين فقدوا أرواحهم إما بفقدان الأب والأم في سن مبكرة أو فقدان الطفولة بسبب تعرضهم للجروح والانتهاكات العنيفة نفسياً وجنسياً. وهم الودعاء[21] أي الضعفاء الذين لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم الشخصية أو السياسية فيظلمهم الناس دائماً.
هؤلاء هم أهلي و أصدقائي الذين أنتمي إليهم وأقضي معهم أغلب أوقاتي وقد اكتشفت أنهم (وأنا منهم) هم الأقدر على استشعار الاحتياج الروحي الحقيقي ورفض المادية والأصولية على حد سواء.  فإذا كان المصاب بالأزمة الصدرية هو أول من يستشعر تناقص الأكسجين في مكان ما، فهؤلاء هم الأقدر على استشعار تناقص مستوى القبول غير المشروط وغياب إنجيل النعمة في مكان ما. هم الأكثر احتياجاً لله الذي هو مصدر الحب الحقيقي في هذا العالم فلا يستطيعوا أن يعيشوا في عرض بحر الحداثة، وهم أيضاً الذين يموتون روحياً بسرعة إذا وجدوا أنفسهم على الجزيرة الصخرية الجافة للتدين الأصولي. هؤلاء هم الواقفون دائماً عند التخوم،  بين الموروث الذي لا يفي بالاحتياج والجديد الباعث على الخوف، بين ما يراه أغلب الناس ولا يرونه هم، وما يرونه هم ولا يراه أغلب الناس، بين التوق للحميمية والشوق للتمرد، بين العطش للانتماء والجوع للهوية. أنهم غير الراضين،  الساهرون على الحدود يتنظرون الفجر ويرصدون مجيء عصر جديد.