الجمعة، 6 مارس 2015



3

في أورشليم القُدس

بدأ الربيعٌ يبعثُ الدفءَ في أنحاء الجليل بعد شتاءٍ قاسٍ. بَدَأت أغصانُ الأشجار الجافَّة العارية تُخرِجُ براعمَ غضةً زاهية الخضار، تداعِبُها رياح الفَجر الربيعي البارِد، فتتأرجح على الأغصان كأطفالٍ فطيمةٍ تَبدَأُ في تَعَلُّمِ المَشيّ. خرجَت العصافيرُ من أعشاشِها مع الصباحِ الباكر تحتفلُ بالدفءِ والنَمَاء، وأصواتها التي تشبه مجموعة صفافير في أوركسترا هائلة بلا قائد، تَشُقُّ سُكُونَ الفَجرِ الجَليليّ الطَازَج.


إنه الأسبوع الأول من شهر إبريل (نيسان). الفصحُ يقترب، وهو الفصح الأول ليسوع بعد تَركِهِ مِهنةَ النِجارَة وانخراطِهِ في مجال الدَعوة. كانَ يسوعُ مَعتادًا أن ينزل مع أُمِّهِ مَريَم ويوسف وإخوته للعيد كل سنة. ذاتَ مَرَّةٍ عندما كان في الثانية عشرة، لم يَعُد مَعهُما للجليل ومَكَثَ في أورشليم. أما أبواه فلم يعرفا وظنا أنه معهما في القافلة العائدة للجليل يلهو مع الأطفال. وبعد مسيرة يومٍ كامل شعرا ببعض القلق.
-        يوسف، أين يسوع؟ غَريبٌ أنه لم يأتِ ليبيت معنا في الخيمة.
-   لا تقلقي يا مريم، لعله بات مع سمعان والصبية الآخرين يلهون. أنتِ تعلمين لقد اقترب الآن من المراهقة، يجب أن نعطيه مساحةً من الحرية.
-         أنا قَلِقَة يا يوسف. أنت تعرف. ليس هذا طبع يسوع. سأذهب لأفتشَ عنه.
-         سآتِ معك.
ولما لم يجدا يسوع في القافلة مطلقًا، قررا العودة إلى أورشليم ومعهما بعض الرجال للبحث عن يسوع في أورشليم. وعندما غابت شمس اليوم الأول ولم يجداه استئجرا غرفةً في خانٍ صغير لقضاء الليل وفي الصباح يواصلا البحث عن يسوع.
-        ما بكِ يا مريم. هل تبكين؟
-   أَلَعَلَّ هذا هو السيفُ الذي قال سمعان الشيخ إنه سيجوز في نفسي؟ ثم كيف يختفي يسوع هكذا؟ وأين الوعود التي صاحبت ميلاده؟ ألعلها كانت تهيؤات. ألعلها أمانينا نحن بالخلاص؟
-         اهدئي يا مريم... سوف نجده.
-         أين نجده لقد فتَّشنا أورشليم كلها؟ لماذا يعطيني الله ابنًا بدون رجل، ثم يأخذه هكذا قبل أن يصير رجلًا؟
-        نامي الآن وفي الصباح نجده بإذن الله.

أشرقت الشمس على أورشليم وهي تنزفُ قوافل الحجيج النازلة من الهيكل المرتفع مغادرة المدينة المقدسة في جميع اتجاهات فلسطين، ومنها من كان مقصده إلى أبعد كثيرًا. يتنفس سكان أورشليم الصُعَداء بعد الزحام الرهيب الذي يعانون منه طوال الأسبوعين الأولين من شهر أبريل من كل سنة.
-        لم يبقَ إلا الهيكل. هيا نذهب يا يوسف.
-   من غير المعقول أن يكون يسوع في الهيكل. أنتِ تعرفين أن الكهنة لا يسمحون لأحدٍ بالبقاء في الهيكل بعد انتهاء مناسك الحج، فكم بالحري الأطفال.
-         لا أعلم، قلبي يقول لي إنه في الهيكل.
-         لنذهب على أي حال.
دخل يوسف ومريم إلى الهيكل حيث كان اللاوِيّون، خُدَّامُ الهيكل يقومون بنشاطٍ بتنظيف الساحة الخارجية من دماء وبقايا الأُضحِيات قبل أن تتعفن ليُلقوا بها في وادي هَنّوم «جي هَنَّم» أسفل الهيكل حيث يتم حرقَهَا بالنار. وحول أحد الأعمدة كانت مجموعة من الكهنة مجتمعةً وكان يبدو عليهم الاهتمام كما لو كانت تدورُ بينهم مناقشة حامية.
-    مولانا. أليست  الوصية الأولى في التوارة هي «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» كيف إذًا يقول داود في المزمور المائة والعاشر: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»"؟ من هو هذا «الرب»؟ ومن ذاك الذي يدعوه داود «رَبِّي»؟ وكيف يُكلِّم كلٌّ منهما الآخر؟
صَمَتَ الكهنةُ أمام سؤالٍ كهذا يسأله صبيٌّ عمره لم يتجاوز الثانية عشرة.
-   لا تسأل عن هذه الأشياء يا فتى. أنت أصغر من أن نشرح لك هذه الأشياء. ثم لا تسأل أصلًا عن أشياء من الممكن أن تزعزع إيمانك. اعرف شيئًا واحدًا أن الله واحد، واحفظ الوصايا. هيا انصرف الآن.
-         أعلم أن الله واحد. لكن. على أي حال، أنا آسف إن كنت قد أزعجتك يا مولانا.

خَرَجَ يسوعُ من وَسطِ جماعةَ الكهنة، فأبصره أبواه فجَريا واندفعا نحوه واحتضناه وبكيا.

-        يا بنيَّ. لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نبحث عنك معذَّبَين
-        لماذا كنتما تبحثان عني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في بيت أبي؟
-         ما هذا الذي تقوله؟ بيت أبيك في الناصرة. هل اشترى أبوك بيتًا في أورشليم؟ هل ستعود للكلام الذي لا نفهمه.
ثم صمَتت مريم هُنيهة، وبدا أنها فهمت ما يقول.

-        أنا آسف يا أمي. سامحني يا أبي. لقد كنت أُصَلِّي ونسيت نفسي. ثم عندما لم أجدكما، رأيت أن أبقى لكيلا نتوه من بعضنا البعض. وقلت إنكما سوف تأتيان إليَّ هُنا لتبحثان عَنّي. إنني في الهيكل أشعر بشيءٍ غريب. أشعر أن هذا مكاني وبيتي، ولا أشعر أنني أحتاج لأن أذهب لأي مكانٍ آخر.
-        وهل لم تخف لأنك لم تجدنا؟
-         أنا آسف، لم أخَف.
مضى يوسف ومريم مع الرجال الذين أتوا معهم وكان يسوع يمشي وَحدَهُ وَرَاءَهُما وذهنه شارد في أشياء يُفَكِّرُ فيها ولا يقولُها لأحد.

 هل تعلمين؟ مرات أشعر أن هذا الولد ليس مِنَّا. إنه ليس مثلنا.
-   في بعض المرات، حتى أنا، أشعر أنه ليس ابني. صحيح أنه خرج من بطني، ويخضع لي ويطيعني، لكنني في مراتٍ كثيرة أشعر كما لو كان هو الكبير وأنا الصغيرة.

يضحك يوسف ثم تخفت ضحكته وتتحول ملامحه للجد.
-         تصوَّري. أنا أيضًا أشعر بذلك أحيانًا.

*  *  *

إنه أوَّلَ عيدَ فِصحٍ بعدَ تمام يسوع الثلاثين. وهاهو يسوع ينزل إلى أورشليم للمرة الأولى بعد أن صار رسميًّا رجلَ دين وانضم إلى طائفة الكَتَبة وهي طائفةُ مُعَلِّمي الناموس والأنبياء.
وجد يسوع أورشليم وقد تغيرت كثيرًا وبسُرعة من سنةٍ إلى سنة. أصبحت الشوارِعُ أكثر ازدحامًا. وجوه الناس أصبحت مُترَبَة مكفهرة، ونادرًا ما يرى ابتسامةً على الوجوه. وعندما كانت تلتقي عيناه بعينيِّ أحد المارة في الشوارع الم
... ما بكِ يا أورشليم؟ ماذا دَهَاكِ؟زدحمة فيبتسم محيِّيًا، نادرًا ما كان يرد تحيته أحدٌ.  بل في بعض الأحيان كان يَتَلّقَّى نظراتٍ حادةً مُستَهجِنَةً من المارة.

... لماذا يا مَدينةَ الصلاةِ لم تعودي مدينة السلام؟ لماذا لم تَعُد صلاتُكِ تُعطيكِ سلامًا؟
كُلَّمَا اقترب يسوع من الهيكل كلما زادت كثافة الزحام؛ فموسم الحج على وشك أن يبدأ، وتعداد أورشليم يتضاعف ربما أربع أو خمس مرات خلال هذه الأيام. وأهلُ أورشليم بالرغم من ضيقهم بهذا الزحام، فإنها فرصتهم السنوية لمزيد من الرَوَاج ودخول العملة الصعبة القادمة مع الحجيج من كل البلاد الخاضعة للإمبراطورية الرومانية.

كانت أورشليم ــــ  بل وكل اليهودية والجليل ــــ  تَختَبِرُ حِراكًا سياسيًّا واجتماعيًّا وروحيًّا شديدًا وتتأرجح قلوب الناس، وبخاصة الشباب بين التطرُّف في الدين والشك فيه.  بين التزمُّت الشديد والتحرُّر المتجاوز لكل الحدود. بين الدين «الرَسميّ» الذي يُمَثِّلُه الهَيكَل والحَرَكَاتِ والجماعات الدينية المتعددة، كانت وجوه الناس تَتَقَلَّب في السماء بحثًا عن الله، وعن الحقيقة.
كان الصَدُّوقِيُّون، وهُم طائفةُ الكهنة الذين لا يؤمنون إلَّا بأسفار التوراة الخمسة ويحفظون طقوس الذبائح في الهيكل، هم الذين يُمَثِّلون الدين الرسمي. هؤلاء مَعرُوفٌ عَنهُم تواطؤهم مع الحكومة واشتراكهم معها في نفس درجة الفساد وحب المال. منهم بالطبع نيافة الحبر الجليل رئيس الكهنة شيخ الهيكل. كانت طائفة الصدوقيون تمثل طائفةً مُلتزمةً جدًّا بالطقوس والشرائع، لكن إيمانها يميل إلى المَادِّية والشَكليّة.  لذلك فقد كانت هذه هي الطائفة المُفَضَّلَة لرجال الأعمال ورجال الدولة الذين يرون أنهم إذا أدّوا الصلوات في أوقاتها وأدُّوا عشور الزكاة، وحجُّوا للهيكل وقدَّموا الذبائح والأُضحيَّات في مواسمها، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. كان الصدوقيون يؤمنون أيضًا أن النفسَ تموتُ مع الجسد ولا توجد قيامة أموات ولا خلود بعد الموت، ولم يؤمنوا بوجود الملائكة أو الشياطين أو أي كائنات غير منظورة. كانوا يؤمنون بأن الله يبارك الإنسان الصالح بركةً مادِّيةً هنا في الأرض وكفى، وبالتالي يكون الثراء الماديُّ هو علامة رضا الله سبحانه، وهذا بالطبع كان يوافق ميلهم للسلطة والشهرة وجمع المال.
هكذا سَيطَرَ الصَدّوقيون على الهيكل، ورجال الأعمال على الاقتصاد، ورجال السياسة على الحكم، وكانت وشائج الصلة والمنافع المشتركة، وأيضًا المصاهرة، شديدة القوة بين هذه الطوائف الثلاث في فلسطين القرن الأول الميلادي.
كان الصدوقيون يُسيطرون على الحياة الدينية الطَقسِيَّة للشعب، من تقديم الذبائح، ومراعاة والأعياد والمواسم اليهودية، وبالذات عيد ضحية الفصح الذي يأتيه الحجيج من كل بقاع الأرض، إلا أن الشعب لم يكن يثق بهم ولا يستمع إلى فتاواهم وأحكامهم. كان عامةُ الشعب مرتبطين أكثر بالفريسيين، الذين يؤمنون بكُل الكتُب من توراة وأنبياء وأحاديث يهودية عديدة، وتفسيرات شديدة الدقَّة لكل أمور الحياة. كان الفريسيون، من حيث العقيدة، يؤمنون بخلود النفس وقيامة الجسد ووجود الأرواح والجنة والنار، غير أنهم حَصَروا الصلاح في طاعة الشَريعة. فجاءت دياناتهم حَرفِيَّةً ظاهريةً وليست نابعةً من القلب، فيطيلون ذقونهم، وأهداب أثوابهم ويُصلُّون قائمين مفترشين الشوارع وليس فقط في الهيكل والمجامع.

 كانت هذه الطائفة من الدُّعاة المُتَشَدِّدين، هي الأقرب للشعب، فكان الناس يسألونَهم عن أمور دينِهِم ودُنياهُم، فَسيطَروا على أَغلَب المَجامِع، وراح الناس يستفتونهم في كل أمور حياتهم من قضاء الحاجة إلى مُعاشَرَة النساء. وكُلَّما مَارَسَ هؤلاء الفريسيون غُلُوًا شديدًا في التحريم والتكفير، وكلما زادت كراهيتهم لنظام الحكم واتهامه بالفسق والفجور، كلما ازداد تَعَلُّقُ الناس بهم لكونهم يرون فيهم ما يتناقض مع فساد السلطة السياسية والدينية الرسمية والدوائر المحيطة بها من رجال المال والأعمال والفن وأَعلاَمِ المجتمع اليهودي. لهذا السبب كان كل من يريد قبولًا من الشعب يظهر التزامه الديني بفروض الِفقِه الفَرِّيسي، ويعلن ارتباطه بنجوم الدُّعاة الفريسيين الذين ظهرت منهم مؤخرًا طبقة حديثة تستخدم لغةً عاطفيةً بسيطةً تصل إلى قلوب الشعب لكن يظل مضمون تعليمهم فريسيًّا حَرفيًّا متشدِّدًا.

وسط هذه الخريطة الدينية، تَاقَت أرواحُ الناسِ، وبخاصة الشباب الباحث عن الصِدق والحقيقة، إلى خبرةٍ روحيةٍ حقيقيةٍ تُقَرِّبُ الإنسانَ من معاني الوجود العميقة، ومن أخيه الإنسان، وتعطيه معنًى مُتَجددًا لحياته. تاقت القلوبُ إلى علاقةٍ روحيةٍ شخصيةٍ مباشرةٍ بالله بعيدًا عن تقاليد الدين وتسلُّط رجاله على الناس. وقد ظَهَرَ هذا الشوقُ لله وللخبرة الروحية المباشرة، في صور مجموعات مُختلفة. منهم من ظلّوا متمسكين باليهودية ولكن في صوَرٍ أخرى تبحث عن الله بعيدًا عن الفساد الرسمي والتشدُّد الفريسي على حد سواء.  ومنهم من كَفِروا باليهودِيّة تمامًا وذهبوا وراء الديانات السِّرِّية ذات الأصول الوثنية. ومنهم من كفروا بالعالم الروحي تمامًا وأغرقوا أنفُسَهُم في كل ما هو مادِّي وحِسِّي.

من بين حركات التجديد الروحي اليهودية التي قامت في القرون الميلادية الأولى، حركة الأسينيين الذين يُقالُ إنهم تَفَرَّعوا من الكَهَنةِ الصدوقيين، رافضين ديانتهم المادِّية وعاشوا في مجتمعات صغيرة في الصحراء حياةً صوفيةً من النُّسك والفقر الاختياري. من بين الآسينيين جماعة وادي قُمران التي ينتمي إليها بنيامين. هؤلاء عاشوا متوحدين في أنحاءَ مُتفرقةٍ من صحراء اليهودية. ومِنهُم الغيورون الذين هُم جماعات تُمارِس العُنف السياسي الذي يصل إلى درجة الإرهاب. يرى البعض أن الأسينيين والغيورين شيءٌ واحد، وأنَّ الأسينيين الذين لا يؤيدون العُنف في العَلَن، يساندونه في السِرِّ. فكُل هذه الجماعات يربُط بينها خيطٌ عقائديّ واحد، هو الرغبة في تحقيق مملكة الله وحُكم الشريعة والتحرر من السيطرة السياسية والثقافية للإمبراطورية الرومانية.  


أما الديانات السِّرِّية، فكانت عديدةً، أهمها كانت الديانة «المثرائية» التي كانت شائعةً بالذات داخل الجيش الروماني مُنذُ القرن الأول إلى القرن الرابع الميلاديين. هذه الديانة منسوبة للإله الفارسي «مِثرا» المولود من صخرة. وكانت تتم عبادة هذا الإله في معابِدَ سِرّية تحت الأرض. وليست السِرّية بسبب الاضطهاد من السُلطة الرومانية، فالسلطة الرومانية كانت علمانية تماماً تسمح بالحرية الدينية للجميع طالما كان ولاؤهم السياسي للإمبراطور والقوانين الرومانية. أما هذه الجماعات، فقد كانت السِرّية جزءًا من طبيعتها الخاصّة. كان من يريد أن ينضم لهذه الجماعة عليه أن يمارس بعض الطقوس كأن يقوم بذبح ثورٍ والشُربِ من دَمِهِ والاغتسال بهذا الدم إيذانًا بولادته من جديد في الدين المثرائي، ثم بعد ذلك يرتقي الداخِلُ في هذا الدين سَبعَ رُتَبٍ مُتتالية داخل الجماعة وذلك بقَدرِ وَفَائِهِ بالطقوس والعهود. كانت هذه الديانات والجماعات السِّرِّية تقدم للناس خبرةً خاصّة وتشبع احتياجاهم للعلاقات الحميمة والعَيش المُشترك، وللدخول في مجتمع آخر غير المجتمع الذي يشعرون بفساده واليأس من تغييره. نفس هذه العناصر النفسية كانت موجودة أيضاً في الجماعات الدينية اليهودية التي كانت تعيش حياة مجتمعية مُتماسِكة تُقدّم لأعضائها الإحساس بالانتماء والتكاتف والتكافل، وكان ينضم إليهم بصورةٍ خاصةٍ من لم يعيشوا هذا النوع من الحياة في أُسَرِهِم ومجتمعاتهم المحلية، وقد كان هؤلاء كُثُر. 

الخميس، 5 مارس 2015


2

جماعة قُمران

تحول لَونُ الشمس إلى البرتقاليّ المائل للحُمرة، وصارت مثل قرصٍ كبيرٍ مرسوم بيدٍ ثابتةٍ لتلميذٍ تجاوز العاشرة وتعلَّمَ أن يلوِّن دون أن تخرج الألوان عن الحدِّ. في هذه الساعة من الغروب، انصاعت آشعة الشمس الحارقة، وصارت مُرَوَّضة لا تخرج عن حدود ذلك القرص البرتقالي الهائل الذي يعلو هامات جبال قُمران ويمكنُ للعين المجردة أن تنظر إليه طويلًا وتتأمل جماله الأخَّاذ. بدأت أضواء مصابيح زيتية مرتعشة ترصع الفضاء الذي بدأت تزحف عليه الظلمة مثل نقوش ذهبية متفرقة على ثوب سهرةٍ داكن الزرقة. وبدأ سكونُ المكان ترصعه أيضًا أصواتُ تراتيلٍ خافتةٍ، يَتَخَلَّلُها صوتُ الريح الذي يُصَفِّر في فتحات الكهوف المتناثرة حول الوادي.
يقع وادي قُمران على بعد نحو ميلٍ إلى الغرب من الطرفِ الشماليّ الغربيّ للبحر الميت، وعلى بعدٍ يزيدُ قليلًا عن ثمانية أميال إلى الجنوب من أريحا. مكانٌ منعزلُ، بعيد جدًّا عن أورشليم العاصمة، ولذا فقد كان موقعًا مثاليًّا لتلك الجماعة التَّقِيَّة التي اختارت لنفسها الهجرة عن المجتمع الأورشليمي الكافر، لكي تنتظر مجيء المسيا وتَحَقُّق مملكة الله.

اللهم انصرنا نحن أبناء النور... على القوم الكافرين
ليأتِ حُكمُكَ على الأرض
يا أيها الاسم الحقيقي
اللهم انصر إسرائيل
اللهم انصر المُعَلِّم البار
الهادي المهدي المُنتَظَر
وليأتِ المَسِيَّا
ليَقهَرَ الرومان الكفرة الزنادِقة
ولتسودَ إسرائيلُ على العالمِ أجمع

لقد كانت هذه الطائفة تتكون من جماعةٍ من الكهنة المُنْشَقِّين عن النظام الكهنوتي الحالي، وبعض من الشعب من غير طائفة الكهنة، يعيشون حياةً مُشتَرَكةً من التقوى والتديُّن الشديدين في الكهوف المنتشرة حول وادي قُمران. وكان لديهم مَبنى رَئيسِيُّ يشغلُ مساحةَ اثني عَشر قدمًا مُربعًا وفي الجانب الشمالي منه كان يقع المطبخ وحجرة الطعام التي يأكل فيها أفراد الجماعة معًا كلَّ الوجبات وفقَ نظامٍ دقيقٍ، حيثُ يَجلِسُ كلُّ واحدٍ بحسب رتبته، ويقوم المُعَلِّمِ الكبير بمباركة الخبز والخمر، ثم يَتلونَ صلواتِ الشكر منتظرين يومَ أن يجلسوا إلى مائدة المسيا عندما يأتي وتبدأ مملكة الله. وإلى الجنوب الغربي، كانت توجد خمس حجرات تُستَخدَم كأماكن للدراسة والصلاة. ومن بين هذه الحجرات الخمس، كانت حجرة النُّسَّاخ الذين كانوا يَقضون أكثر من عشرِ ساعاتٍ يوميًّا منهمكين في نَسْخِ التوارة وكتب الأنبياء على رقائق من جلد الماعز موصولة معًا، ويقومون بلفِّها بعناية في لفائف من الكتان ثم يضعونها في أوانٍ فخاريةٍ أنيقةٍ يصنعونها بأنفسهم في المُستَوطَنة ذاتها. وكان في الرُّكن الشمالي الغربي من المبنى، بُرجٌ حَصينٌ يتناوب شباب الجماعة على حراسته نهارًا وليلًا ليستطيعوا مُرَاقَبَةَ الطريق، والهروب قبل مجيء حملات الاعتقال التي كانت تقوم بها قُوّاتٌ خاصة من حَرَس الهَيكل مدعومةٌ بأفراد من أمن القَصر المَلَكي لتعتقل بعضًا من قادتهم وهكذا تُبقِي عليهم ضعفاء؛ لأن الحكومة المركزية في أورشليم تخشى قيامهم، بعد طول الانتظار، بتحقيق مملكة الله بأيديهم. وهذا ما كانت تتبناه جماعة منهم أكثر عَسكَرِيَّةً هي جماعة الغيورين التي تتعرض لقمع الدولة أكثر منهم.


                                         * * * *

بعد افتضاح أمر أخته أستير التي كانت قد ضُبِطَت مع رجُلٍ بعد طَلاقِهَا، لم يَستَطِع بنيامينُ أن يزورَ قريته مرةً أخرى. لم يَعُد قادراً أن يواجِهَ كل يومٍ نظرات التَعيِير أو حتى نظرات الشفقة في عيون أهل القرية التي لم يكن لها حديث في ذلك الوقت إلا أستير. تِلكَ المَرأة المُطلَّقة سَيِّئَة السُّمعة التي ضُبِطت مع رجلٍ بعد طلاقِها ثم هَرَبَت من القرية. كَانَ بَنيامينُ في أعماقه يعرف أن ما دفع أستير لفعلتها هو الفَقرُ والعوَز؛ فبعد طلاقها لم تجد من يُنفِق عليها هي وطفلَتيها التي إحداهما رضيعة خاصةً بعد وفاة والدَيهما، وانخراطه هو في سلك الرهبنة القيروانية. لكنه لم يسامحها أبدًا.
منذ جَاءَ بنيامين ليعيش في هذا المجتمع الديني الصارم، اكتَسَبَ مَحَبَّةَ الجميع من كهنةٍ وغير كهنة؛ فقد كان من أفضل النُّسَّاخ، وكان يقضي الساعات الطويلة ينسخ بدقة كلَّ كلمةٍ من كلمات التوارة والأنبياء، حتى أنه الآن، بالرغم من كونه مُستَجَدًّا، قد أصبح صاحب الرقم القياسي في النَّسخ. واليوم تتم السنوات الثلاث التي يمكن بعدها لبنيامين أن يصبح عضوًا رسميًّا في جماعة قُمران؛ فبعد إتمَامِهِ لبعضِ الطُقُوس المَبدَئِيَّة، ظلَّ بنيامينُ تَحتَ الاختبار لمدة ثلاث سنوات تنتهي اليوم.
لم يدرِ بنيامين كيف يشعر اليوم؟ كان قلبه مليئًا بالفخر والإنجاز لاجتيازه فترة الاختبار، لكنه كان يشعر في الوقت نفسه ببعض من الحيرة ويتساءل إن كان قد اختار الطريق الصحيح في الحياة؟ لقد جَاءَ إلى هذا المُجتمع لأنه كان يشتاق لحياةٍ أُسرية حميمة، لم يعشها أبداً في طفولته، فقد كان أبوه غائباً دائماً، وعندما يأتي كان لا يفعل شيئاً إلّا الشجار مع أُمّه وضَربِها. لم يشعر أبداً أن أباه يُحِبّه، ولا هو أيضاً أَحَبَّه.  
-        لا بد أنك سعيد اليوم يا بنيامين
رَدَّ بِنيامين وهو يَغمِسُ ريشَتَهُ في المَحَبَرَةِ الرومانية المصنوعة من الرخام، ثم تَرَدد قليلًا وأعاد الريشة إلى المحبرة.
-         لِنَأخُذَ بَعضَ الراحةِ. لا يمكن أن نتحادث هكذا ونحن ننسخ كلمة الله. أُصدِقُكَ القولُ يا يوئيل يا أخي، لا أعرف. فأنا لا أكاد أنام هذه الأيام. بمُجَرَّدِ أن يُطلق نفير النوم مساءً وأذهب إلى فراشي، تهاجمني الأفكار كالخفافيش التي تملأ الكهوف المهجورة حولنا.
-         فيم تفكر يا بنيامين؟
-         الكثير. إذا توقفت عن التفكير في قريتي، فإني أُفَكِّرُ في كلام العِظات التي نسمعها من مُعَلِّمينا هنا عن الملكوت الآتي، والمعلِّمين الجُدُد الذين نسمع عنهم كيوحنا المعمدان مثلًا.
-         ما المشكلة في أُسرَتَكَ يا بنيامين؟
-         لا شيء. لا عليك بأسرتي. الأهم الآن هو مملكة الله. الجميع يتكلمون عن مملكة الله، ترى من هم الصادقون؟
-         بالطبع نحن. من المؤكد أن رئيس الكهنة الأورشليمي الفاسد وأتباعه لا يَملِكُونَ الإجابة. نحن أبناء سيدنا إبراهيم الحقيقيون. نحن إسرائيل الحقيقية. وسَوفَ يبدأ الحكم الإلهي لكل العالم من هنا؛ من هذا المكان.
-         كيف؟ لم يَدُر بخلدك ذلك السؤال: «كيف؟»
-         سوف يأتي المَسِيَّا وسوف نكون نحن جنوده المُخلِصِين. سوف نهزم الحكمَ الفاسدَ في أورشليم ونحرر كل البلاد اليهودية من سطوة الغرب الروماني الكافر الذي يستخدم حُكَّامَنا كدُمَى يحركها كيفما يشاء. سوف يأتي «النبيُّ» أولًا كما وعد الله موسى ليَعُدَّ الطَريق. ثم يَبرُزُ كَوكَبٌ من يعقوب، ويقومُ قَضيبٌ من إسرائيل، فيُحطم طرفي موآب، ويهلك كل بني الوَغَى. وننتصر نحن، بني النور على أبناء الظلام الكُفَّار من بَني الأمم غير اليهود، والفاسقين من اليهود المتآمرين والمتعاملين معهم.
بدا يوئيل وهو يتكلم ووكأنه يخطب في مئاتِ التابعين.
-        يوئيل، هل سمعت عن يوحنا المعمدان الذي يُعَمِّد الناس للتوبة من الخَطِيّة في نهر الأردن؟
رد يوئيل وهو يحاول التخفيف من حِدّة حماسه: نعم وقد ذهبت بالفعل واعتمدت منه.
-        هل فكرت فيما يقول؟
-         الحقيقة لم أفكر كثيرًا، لقد كان كل ما يهمني هو إتمام الطقس؛ فالمعموديات، كما تعرف، أمرٌ ضروري جدًّا يا بنيامين للتطهير، متى توفرت التوبة الحقيقية والحياة المنضبطة و...
-        قبل أن تعظ مرةً أخرى يا يوئيل، دَعنِي أقولُ لَكَ، فأنا أيضًا قد ذهبت واعتمدت من يوحنا، لكنني منذ ذلك الحين وأنا لا أستطيع التوقف عن التفكير فيما يقوله.
-        الحقيقة أنا لم ألتفت كثيرًا لما يقوله.
-         لقد توقفت كثيرًا عند عبارة المعمدان: «أنَّ الله قادرٌ أن يصنع من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم».
-        كلام غريب.
-        اسمع أيضًا ما قاله عن المَسِيّا.
-        ماذا قال؟
-        قال: «أنا أُعَمِّدكم بماءٍ للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لستُ أهلًا أن أحمل حذاءَه، هو سيعمِّدكم بالروح القدس ونار». تُرى كيف تكون معمودية الروح القدس هذه؟ ثم، ألعلَّ  يوحنا المعمدان هذا يكون «النبيّ» يا يوئيل؟
-        لا أدري. لا أظن. فهو لم يتكَلّم أبداً عن تطبيق الشريعة، ولم يتكلم عن إقامة حُكم الله في الأرض.

-        عمومًا دعنا نعود إلى عملنا. أنا لا أريد أن يقل إنتاجي، وبالذات في اليوم الذي سوف أنضم فيه رسميًّا للجماعة.

1
مملكة الله

مملكة الله ـــــ تلك العبارةُ المشحونةُ بالمشاعرِ والمعاني المُغلقةُ عَن الفهم، تجعلُ الصُوَرَ تتراقصُ في خيال السامعين للراهب الثائر يوحنا المعمدان وهو يصرخ: «توبوا لأنه قد اقتربت مملكة الله» ـــــ صوَرٌ مبهجةٌ تدور في خيال الجماهير المجتمعين من أجل معمودية التوبة. راياتٌ زاهيةُ الألوانِ تَخفقُ تحت رؤوسٍ تملؤها العزيمة والتصميم. جيوشٌ بَرَّاقَة تلمع فيها تحت آشعة الشمس، حدودُ السيوفِ المسنونة والخوذات النحاسية والنياشين الذهبية للضباط والقادة. والهيكلُ على مرتفعٍ عالٍ وسط المدينة المُقَدَّسَة أورشليم، وفي قلب حياتها الدينية والاجتماعية. بناءٌ شامخٌ هو مفخرة الشعب الساكن في الأراضي المقدسة والمُتناثِر في كل أنحاء العالم، فيقتطعون من قوتِ عيالهم لكي يَحِجّوا إليه كل سنةٍ، وتمتلئ بقروشهم القليلة المُدَّخَرَة خزائن البيت العتيق.
إنه الحُلم بالمملكة اليهودية العُظمى التي تُسيطر على العالم وتحوِّله إلى ولاياتٍ تابعة، يأتي وُلاتُها إلى أورشليم ليقدموا الضرائبَ والمُكوس ويُبدون فروضَ الولاء والطاعةِ للعاصمةِ السياسيةِ والدينيةِ معاً. ويأتي أيضًا الزوارُ المبهورون من المشرق والمغرب.  رُسلٌ من كل أمةٍ وشعبٍ: شُقرٌ ناصعون، وسود لامِعون، وصُفرٌ قادمون من أقصى الشرق، يَتَرَضُّونَ وَجه الله ــ مَلكِ كل الأرض، بهدايا من بلادِهم. كلُّ خيرات الأمم تتدافع إلى أورشليم، وشعبُها يعبدُ الإلهَ الواحد، الذي تنحني أمامه كُلُّ الأصنام، وتجثو في حضرته كلُ الأفكار.
بينما كان تعليمُ يوحنا المعمدان يُشَكِّلُ رأسَ الحربةِ في الخطاب الدينيُّ الجديد، كانت رياحُ التغييرِ تَلعَب في اليهودية والجليل، وكان الحِراكُ الاجتماعيُّ والاقتصادي يتصاعد بصورةٍ غيرٍ مسبوقةٍ. الجميعُ يشعرون بالتَرَقُّب المشوبِ بالحذر والخوف، وبعض اليأس من إمكانية التغيير. هيرودسُ الكبير مات، وبعد وَفاته انقسَمَت فلسطينُ بين أرخيلاوس الوالي على اليهودية، وهيرودس أنتيباس على الجليل، وفيلُبُّس أخيه على قيصرية، التي سُمِّيَت فيما بعدُ باسمه، وأصبحت تُدعَى «قيصرية فيلُبُّس»

ميليشيات «الغيورين» تَتَدَرَّبُ في أماكنَ صحراويةٍ نائيةٍ لتَبقى متأهبةً على هامش الحياة اليهودية مُنتظرةً اللحظة التي يضعُف فيها الحُكم للدرجة التي تجعلها قادرةً على الوثوب عليه، مثل البكتريا التي تعيش في الأمعاء وعلى سطح الجلد، منتظرةً ومُتَمَنِّيَةً اللحظة التي تضعف فيها مناعة الجسم المترهل، المثقل بالهموم والديون والفساد. ولَعَلَّ المَثَلَ الصارخَ للفسادِ كانَ هيرودس أنتيباس حاكم الجليلِ الذي جَمَعَ حوله ثُلَّةً من التُجَّارِ والعَشَّارينَ الفاسدين، الذين يمتصون دِمَاء الشعبِ، ويُلقون له بفتاتٍ من فُرَص العَمَل ووعود الاستثمار الذي لا تذهبُ ثمارُهُ إلا إلى فِئة الواحدِ بالمائةِ من الشعب، بينما الباقون يزدادون فقرًا.  وكلما عَلَت بعضُ أصواتِ المعارضةِ لفضح الفساد، وارتفاع الهوة بين الأغنياء والفقراء، كان الرَّدُّ سريعًا بتقاريرَ وإحصاءاتٍ كلها تشير إلى النمو الاقتصادي الذي حققته الحكومة خلال السنوات الأخيرة وكيف ارتفع «مُتَوَسِّط دخل الفرد» في الجليل، وكيف زاد مُتَوَسِّط الإنفاق، بينما الحقيقة أن هذا الإنسان «المُتَوَسِّط» ليس سوى إنسانًا افتراضيًّا غير موجودٍ إلا في أوراقهم. إنه المُتَوَسِّطُ الحسابيُّ بين الغِنَى الفاحِش والفقر المُدقع الذي يعاني منه شعبُ الجليل. وهكذا يستمر التعاون بين رجال السلطة ورجال المال مع رجال الاقتصاد والإعلام، مكوِّنيْن «لوبياً» منيعاً لا تخترُقُهُ أحلامُ التغيير.

خارج «كردون» المدينة الأخطبوطية المترهلة ــــ أورشليم، التي تترامى أطرافها بدون تخطيط، وبضعف شديد في البِنيَةِ التحتي والقدرة على الإدارة، تعبر «الكاميرا» الطريق الدائري الصحراوي الذي يصِلُ أورشليمَ بأريحا، وهو طريقٌ متهالكٌ رُغمَ حَداثَتِهِ، وحالكُ الظلام ليلاً، حيث تضاء مصابيحَهُ الزيتية في النهار وتُطفَأ ليلًا. ربما كان هذا هو السبب الذي يجعل الكثير من حوادث التحرش والاغتصاب والسرقة بالإكراه تحدث فيه، ومن هذه القصص تلك القصة الشهيرة التي تناقلها المجتمع عن ذلك السامِرِيّ «الصالح» الذي أنقَذَ يهوديًّا هَجَمَ عليه اللصوصُ في ذلك الطريق. وإلى الغرب لبضعة كيلومترات، نجدُ مجموعةً من اليهود الأتقياء الذين يعيشون في الكهوف المنتشرة في صحراء اليهودية، يَصِلونَ الليلَ بالنهار قائمين مُصَلّينَ مُبتهلين. كانت هذه المجموعات المسمَّاة بالقيروانيين وهي جماعة تابعة لطائفة الأسينيين، تَنتَطرُ حلول مَملَكة الله حيث يتم تطبيق الشريعة اليهوديةَ تطبيقاً حَرفياً كاملاً. ويؤمنون أنه مَتى حدث ذلك سوف يختفي إلى غير رجعة، الفقر والمرض والخطية، وينتشر الإيمان الصحيح و يأتي المسيَّا بقوةٍ، وسلطانٍ إلهيين لكي يُكَسِّر الأوثان ويقتل كل ما ينتمي للنجاسة والخطية.

اليومُ هو عيد الفصح، الذي يُمَثّلَ نهايةُ مناسِكِ الحَجِّ.  مئاتٌ من البسطاء يسيرون بإعياء، طريقًا طويلًا صاعدًا للهيكل. فقراءٌ اقتطعوا من قوتِهِم اليومَيّ ثمن الذبائح الصغيرة المتواضعة، مثلهم،  من الحمام واليمام، يرجون بها أن يتقبل الله صلاتهم ويغفر ذنوبهم. بعضهم جاء من بلادٍ بعيدةٍ يحملون وثائق سفرهم ممهورةً بتلك التأشيرة الغالية للأراضي المقدسة التي دفعوا فيها ربما كل ما يملكون. بعضُهم جاء بالقُرعة الحكومية في وسائلِ نقلٍ أقلَ من الآدمية. وَبَعضُهُم وضعَوا كُلَّ مُدَّخرات شيخوختهم، آملين أن يموتوا ويُدفَنوا في أطهر بقاع الأرض، أو حتى يموتوا في الطريق إليها. وإن عاشوا، فثمَّة رحلةٌ واحدةٌ سنويًّا إلى الهيكل في أورشليم، تضمن لهم غفرانَ كُلِّ الخطايا والبداية من جديد.
 تتزايد سُحُبُ البخور وتتضح تدريجيًّا أصواتُ التراتيل الدينية بلغةٍ عبرانيةٍ غريبةٍ لم يعُد يستخدمها الشعب الذي أصبح يتكلم الآرامية في معاملاتِ حياته اليومية. وخلف أحدِ أعمدةِ الهيكل في القُدس الذي يتمتع بدرجةٍ من الظلام، حتى في منتصف النهار، يظهر رجلٌ في منتصف العمر.  
من هذا؟ إنه أحد كبار تُجّارِ أورشليم. ملابِسُهُ الحريريةُ تكشف حالتَه الاقتصادية المختلفة عن أغلب مَن هُم في الهيكل. أمّا لماذا يتحرك بسرعةٍ متسلِّلًا؟ فلا يعرف أحد. ثم ما الذي يُخرِجُهُ من حزامِهِ المصنوع من القطيفة الداكنة والذي يلُفُّ بهِ ثوبّه الحريري الفَضفاض المنقوش بنقشةٍ لا تنسَجُ إلا في بلاد الهند البعيدة؟
 هزَّ الكيسَ قليلًا في فخرٍ، فَصَدَرت عَنهُ رنةٌ مكتومةٌ لعملاتٍ ذهبيةٍ تَكَدَّسَت داخلَ الكيس حتى لا يكون كبير الحجم فيلفت الانتباه. يمد يده بالكيس بخوفٍ وترددٍ، ثم لا تَلبث أن تخرجَ من الظلامِ، يدٌ مُتَمَرِّسَةٌ،   وفي حركةٍ خاطفةٍ بارعة تلتقطُ الكيسَ وتُخفيه بسرعة البرق في الثياب السوداء الفضفاضة. تُرى من صاحب اليد التي خرجت من الظلام؟  وتكون المفاجأة أنَّه مولانا نيافة الحبر الجليل شيخ الهيكل الكبير.
تحركت خُطواتُ صاحبِ النِيافةِ بخفةٍ وسرعةٍ غير مُتَمَشِّيَةٍ مع سنواتِ عمرِهِ السَبعين، والتي تشي بها لحيتُهُ التي احتَلَّها المشيب تمامًا. وبينما كان يبتعدُ كانت مَلَابِسُهُ الفضفاضة تُصدِرُ حَفيفًا مسموعًا يشبه ضربات أجنحة الخفافيش التي تعيش في الكهوف المظلمة أثناء النهار. تَوَارَى «مولانا» خلف الأعمدة، وانسحب التاجرُ ليخرجَ بسرعةٍ من القُدس الذي لا يَحُلُّ دخولُهُ إلا للكَهَنَةِ،  ثم اختفى وسط زحام الحجيج متوجهًا لقاعة الأمم.
قاعة الأمم هي إحدى قاعات الهيكل. كانت هذه القاعةُ في التصميم الأساسي مُخَصَّصَةً للضيوفِ من الأمَم من غير شعب إسرائيل، الذين كانوا يسمعون من خلال اليهود المقيمين في بلادهم، عن ذلك الإله الواحد، فيأتون مَعَهُم لحضورِ مناسِكَ الحَجِّ، حتى أن بعضهم يُقَرِّرُ الانتماء لذلك الإله الواحد وعبادَتِهِ. وهكذا يكونُ الهيكلُ بيتَ صلاةٍ لكُلِ الشعوب، وليس للشعب اليهوديّ وَحدَهُ. ومَعَ الوقتِ، ضَعُفَ الاهتمامُ بهذه القاعة، وكان هذا يعكِسُ بالطبع كَراهية اليهود لغيرهم من الأُمَم الأخرى ونَظرَتَهُم العُنصرية لهم، حيث اعتبروهم كلابًا وأقل من البشر، فظَلَّت هذه القاعةُ خاليةً مهجورةً لسنواتٍ عديدةٍ. ثم مؤخراً اقترح أحد الكهنة استغلالها وتأجيرها لبعض تُجّار الحيوانات التي تُقَدَّم كذبائح والصيارفة  الذين يقومون بتغيير العُملة للحُجّاج القادمين من بلاد بعيدة.

هذه مجرد عَيِّنَة من التعاون المستمر بين التُجّار الذين يشكِّلون الرأسمالية الوطنية اليهودية، ورجال الدين الذين هُم حماة الهيكل والشريعة ومصدر الإفتاء والمشورة الدينية. هذا التعاوُن لا يُضاهيه إلا التعاون بين المؤسسة الدينية واالملك وبلاطه. وهذا يعيد للأذهان القضية التي شغلت الرأي العام اليهودي لشهورٍ عديدةٍ، وهي قضية زواج الملك هيرودس أنتيباس الحاكم في الجليل من هيروديا امرأة أخيه فيلبس حاكم قيصرية. وقتها ثار جدلٌ شديدٌ حول هذا الزواج ومدى مَشروعيَّتِه، وكيف أن هيرودس كان قد أقام مع هيروديا علاقةًعاطفيةً سابقةً لهذا الزواج.
في ذلك الوقت كانت منشوراتُ الحكومة تُفرِدُ المقالات الطويلة عن سماحة هيرودس وكيف أنه «اضطُرَّ» للزواج منها حمايةً لها من الفتنة بعد أن كَفَرَ زوجُها فلُيبُّس وتوَرَّطَ في عبادة الإله الإغريقي «زيوس»، فأصبح لزامًا على الملك هيرودس، حامي الإيمان، أن يفرِّق بينها وبين زوجها الكافر، ويأخذها لنفسها حمايةً لها وللأسرة المالكة.
ودارت القصة «الحكومية» التي تم توزيعها على كل المنشورات القومية هكذا:
«بينما كانت هيروديا في زيارة حجٍّ إلى أورشليم، قام الحَبرُ الجليل، مع الملك هيرودس بإقناعها ألا تعود لزوجها الكافر فِيلُبُّس، حتى أن الحبر الجليل أفتى بتفريقهما بسبب كُفر وفِسق الأخير الذي شوهِد يدخل هيكلَ زيوس. كما أن هذا الملك الفاجر الفاسق، قد عقد اجتماعاتٍ مع كُتَّاب ومفسرين يهود معروف عنهم تَحَرُّرُهم وكفرُهم، ومحبتُهُم للوثنييِّن ومُعاداتُهُم لليهودية، وقاموا في هذا الاجتماع  ببثِّ أفكارٍ هدَّامة، من شأنها الإساءة لليهودية وشيوع الكفر والإلحاد وزعزعة نسيج الأمة الواحد».
(أشارت صحيفةٌ معارِضةٌ إلى هذه الاجتماعات، وأوضحت أنها كانت تهدف إلى إيجاد فهمٍ لاهوتي مُعاصر للكتبِ المقدسة، ومراجعة التفسيرات الحَرفِيَّة، التي احتقرت الأمم غير اليهود، واعتبرتهم «كلابًا» والدعوة إلى علاقات حوار مع الأمم من اليونان والرومان).
وتُستَكمَل القصة الحكومية...

«وبالطبع تدخل الملكُ الرحيمُ هيرودس بسماحته المعهوده وقرَّر أن يتزوجها حمايةً لها وحمايةً لسُمعَة الأسرة المالكة التي لَوَّثَها فيلبس، الكافر الزنديق».